فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 279

-وعلى رأسهم الصحابة - رضي الله عنهم - مع كتاب الله تعالى، حيث التأثُّر الحقيقيُّ، وليس مجرد دموعٍ تنزل على الخدود، بل هو خشيةٌ تبدأ في القلب، فتترجمها الدموع والعمل.

ولكأنِّي بابن عمر- وهو يتلو هذه الآية- يستشعر قيامه من قبره، حافيًا عاريًا كما خلقه الله! فهو يدرك أنَّه داخلٌ في عموم {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} . وليس هذا الموقف هو الموقف الوحيد لابن عمر مع التأثُّر بالقرآن، النابع من التدبُّر؛ بل له مع ذلك مواقف أخرى؛ منها.

* ما حدَّث به نافعٌ مولى ابن عمر فقال: ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قطُّ من آخر سورة البقرة إلا بكى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] إلى آخر الآية ثمَّ يقول: «إنَّ هذا لإحصاءٌ شديدٌ» [1] .

*وقال نافعٌ أيضًا: «كان عبد الله بن عمر إذا قرأ هذه الآية: {أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16] ، بكى حتى يغلبه البكاء» [2] .

*وشرب عبد الله بن عمر ماءً مبردًا، فبكى فاشتدَّ بكاؤه، فقيل له: ما يبكيك؟! فقال: ذكرت آيةً في كتاب الله - عز وجل: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54] ، فعرفت أنَّ أهل النار لا يشتهون شيئًا شهوتهم الماء، وقد قال الله - عز وجل: ... {أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأعراف: 50] [3] .

(1) الزهد؛ لأحمد بن حنبل (ص 158) .

(2) مصنف ابن أبي شيبة (7/ 118) .

(3) صفة الصفوة (1/ 220) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت