وواضح أنّ الطمع والحرص على احتواء النعم والامتيازات يُلقيان في رُوع أصحاب السياسات والامتيازات ما ليس له وجود في الواقع، وهم حين يُدعون إلى الصلاح في أي شأن من شؤون الحياة، يتوهمون الخسران وضياع المكانات، وفقدان الامتيازات، فيقاومون ويقاتلون بغير عقل.
ولننظر ماذا خسر رؤساء المشركين من العرب حين تركوا شركهم، ودخلوا في الإسلام .. ألم ينتفعوا به هم والفقراء المستضعفون من أتباعهم في دنيا ودين؟ ألم يصبح خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام؟
إن لحقيقة الأزليّة الخالدة في نواميس الحياة، قد تصيبها السياسات والعصبيّات بشيء من الضُّرِّ، ولكنِّها في جميع الأحوال تعجز عن طمسها أو إزالة معالمها .. ثم هي، وأعني السياسات والعصبيات، لا تملك الفصل في شأنها، وليس ما تصوّره تزيينًا أو تقبيحًا هو واقع الحقائق، وإنما يفصل فيها العلم وحده بتجرده المطلق ونزاهته وموضوعيته الخالصة من الشوائب والأهواء. إنّه يَعنِيه من الأشياء في كل شأن يعرِض له، تعرُّف الحقائق في عُرْيها وسفورها كيفما كانت الحال، وفي أي صورة تكون عليها، وإذا كانت السياسات والعصبيات تبني أحكامها على الأهواء، والأغراض الخاصّة، لا تحيد عنها، فإنّ العلم يبنى تصوراته وأحكامه على البيِّنات غيرَ متحيّز ولا متحرِّف، وهو يستمد هذه البيانات من الوثائق الأصلية الصحيحة مما يدوّنه الإنسان بنفسه خاصّة، لأنها فصل الخطاب والحُجَّة البالغة. ومن هذه الوثائق الأصلية ونحوها يستنبط العلم التصوّرات، ويهتدي إلى مقاطع الحق فيوقن، ثم يرسل أحكامه التي لا تستؤنف ولا تميّز كما يقول القضاة.
على هَدْي من هذه الوثائق , التمستُ مقاطع الحقّ , في هذا الأمر الجديد وصاحبِه, من معادنها , غيرَ متأثّر بسياسة من السياسات , أو عصبيّة من العصبيّات.
وبين كلِّ أمرٍ وصاحبِه , تقوم علاقة وآصرة , وتَعَرُّفُ صاحب الأمر يتقدَّم تعَرُّفَ أمره؛ لأنه هو مصدره , وإليه يؤول.