وقد تعرّفت سيرةَ (محمّد بن عبدالوهّاب) في كتب المقربين إليه , والقريبين منه زمانًا ومكانًا , فهم أعرف به , ولم ألتمس شيئًا من أمر في كتب مؤرخيه الثانويين ونحوهم.
وتعرّفتُ دعوتََه , والعِلم الّذي طُبِعت به , من مؤلفاته , وهي أنواع .. سيرة نبويّة, وتفسير , وحديث , وأحكام , وتوحيد , ومما هو أدلّ منها على طبيعة فكره واستقبال رأيه , أعني فتاواه ورسائلَه ومجادلاته ومراسلاته مع العلماء والرؤساء في جزيرة العرب وما رواء جزيرة العرب في شأن دعوته: مَناشِئِها , ومبادئها , وغاياتها , وأصولها , وأدلتها. والمرء وما يقوله ويقره ويفصح عنه من نيّته وعلمه، لا ما يقوله خصومه فيه.
وأشهد مخلصًا أن بين سيرة (محمّد بن عبدالوهاب) ودعوته, ولأسمِّها: الدعوة التجديدية , رحمًا واشجة , وآصرة وثيقة محكمة , يبدوان من غير تكلف للرؤية في هذا التطابق التام بين الفكر والتطبيق , وبين ضلاعة الدعوة وضلاعة صاحب الدعوة وشخصيه المتميزة بأنواع من الصفات الأصلية , ومنها ضلاعة تكوينه البدني , وضلاعة إيمانه , وصلابته , وتمسكه بالسنة.
والآثارُ عامّةً، في حال قوتها أو ضَعْفها , نتيجة حال المؤثر ومزاجه كما هو معروف في مدركات العقل ومسلماته , وما خلا أدبنا العربي الأصيل من الإشارة إلى هذه الحقيقة المسلمة ومن ملحظ العلائق بين الإنسان وما يصدر عنه من شيء.
ألم يقل أحمد بن الحسين أبو الطيب قبل ألف عام:
على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ** وتأتي على قدر الكرم المكارم؟
وضلاعة (محمّد بن عبدالوهاب) في تكوينه الجسمانيّ , وفي مواهبه وملكاته .. عجب من العجب فإن كل شيء فيه على غاية من القوة والبروز.
ضلاعته في تكوين الجسماني , تبدو في الرجولة الناضجة التي باكرت صِباه , وفي الاحتلام الذي أسرع إليه قبل إكماله الثانية عشرة من عمره , فأحصن من فوز احتلامه.
واقترنت بهذه الضلاعة الجسمانية ضلاعة نفسية بالغة , فإذا هو يتحمل تَبِعات الزوجية , ويتصرف بنفسه فردًا في هذه السنّ الطفولية , فيَعْرَوْرِي فِجاج الأرضيين الموحشة البعيدة المُنْتَأَى بين العيينة ومكة المباركة , فيؤدي فريضة