وبدأ المرحلة التطبيقية العمليّة بعد عودته من المدينة النبويّة إلى العيينة، وهو في التاسعة والعشرين من عمره، ولكأني به حين أطلَّ على جزيرة العرب فردًا لا وَزَرَ له من أحد، ناجى الله جل وعلا أن لا يذره فردًا، وأن يمدَّه بعونه ورحمته، ويبلّغه ما يؤمّله .. لا لدنيا يصيبها لنفسه، ولكن لهداية قوم ضلّوا عن سواء السبيل، وانحرفوا على الصراط المستقيم، فأراد لهم الهداية والعزّة.
مضى في الدعوة في فتوته هذه، بقلب يملؤه الإيمان واليَقَظة والشجاعة، وعقل تعمره الحصافة والعلم والتجارب، وصدرٍ تتوثب فيه العزيمة الصُّلْبَة والإرادة الجارفة، وبصيرةٍ تتألق بالنور الذي يضيء له الدرب في ليل الناس البهيم.
استلهم [أي] القرآن، ووصل أفقه بأفقه غير حائد عنه، وتأسّى بسلوك الرسول عليه الصلاة والسلام في جميع مراحل الدعوة سَمْتًا بعد سَمْت، فبلَّغ كما بلّغ، وبشّرَ، وأنذر ... بلّغ الأفراد والجماعات، وبلّغ الأغنياء والفقراء والرؤساء والمرؤوسين، وسيّر الرسل والدعاة إلى من دنا ومن بَعُدَ عن جزيرة العرب من أصحاب السلطان، وسمع الناس منه ومن دعاته كلامًا جديدًا، مقروءًا ومسموعًا، لانت له عقول قوم فرفضوه، بل نصبوا له الحرب، ووقفوا دونه يصدون عنه الناس، ويسفهون الداعي وما يدعوا إليه من الحق، وتأَلَّبوا على الرجل، وحاولوا غِيلَتَهُ ليذهبوا الحقّ، ليدخلوا في دعوته، ويمنّيهم بالفوز بخيري الدنيا والآخرة إذا هم آزروه وناصروه. وقد ائتسى في هذا الشأن أيضًا بالرسول العظيم، عليه أفضل الصلوات والتسليم، فوفّق.
وأخذ البيعة من بعضهم ليضمن قيام"الولاية"كما كان يقول أو الدولة كما يقولون اليوم، ليحفظ بذلك مكاسب النصر [الديني] الذي استطاع أن يحققه في كثير من أرض الجزيرة. ولكنّ من بايعه على ذلك نقض البيعة، لأن سلطانًا أقوى منه فرض عليه أن يتخلّى عمّا التزمه من هذه البيعة ومن نصر الداعي .. وهنا كان الاختيار الصعب، وكان الموقف الحاسم الذي يقرر مصير الدعوة، وكان ذلك كله يتوقّف على القوة النفسية التي حَدَتْ بهذا الداعي الكبير على أن ينهض بهذا الأمر الكبير، وإذا هي عنده أثبت ثباتًا من الجبال، وعند الشدائد تظهر عزمات الرجال، فيما وهن عزمه، ولكنه ازداد قوة، ولا ضعف إيمانه ولكنه ازداد يقينًا بنصر الله له، وانتقل إلى حيث يأمل أن يدخل في دعوته من الأمراء ومن ينصره ويقيم"الولاية".