فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 20

"إن بعض أهل الدين ينكر منكرًا، وهو مصيب، لكنّه يخطئ في تغليظ الأمر إلى حدٍّ يوجب التفرقة بين الإخوان، والله تعالى يقول:"

{يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ، ولا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُسْلِمُونَ، واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ ولا تَفَرَّقُوا}

وكتب إلى آخر:

"فاغتن يا أخي هذا الفضلَ، وكن من أهله، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه:"

"لأَنْ يَهدِيَ الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النّعَم" [أخرجه أحمد 5/ 238 من حديث معاذ بن جبل] ، وعظَّم القول فيه .."فاغتنم ذلك، وادْعُ إلى السُّنة حتى يكون لك بذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء ف الأثر، فاعمل على بصيرة ونيّة حسنة، فيردّ اللهُ بك المبتدعَ المفتون الزائغ الحائر، فتكون خلفًا من نبيك صلى الله عليه وسلم فإنّك لن تلقى الله بعمل شبهة".

وقد بلغ وعيه القمة حين لاحظ أن تمام الدين بالدولة، وقد سماها الولاية، وقرر أن المصلحة فيها لا تتم إلا بالاجتماع، وإن هذا الاجتماع لا بد له من آمر وناه، فتلك هي الولاية، ولذلك سعى لها ليحفظ مقاصد الشرع ومصالح العباد، قال:

"جميع الولايات مقصودها أن يكون الدين كله لله، فإنّه سبحانه إنّما خلق الخلق لذلك، وذلك هو الخير والبِرّ والتقوى والحسنات والقربات والباقيات الصالحات والعمل الصالح، وإن كان بين هذه الأسماء فروق لطيفة، ولا تتمّ المصلحة في الدين والدنيا إلا بالاجتماع، وإذا اجتمعوا فلا بد من أمور يلتزمونها وأخرى يجتنبونها، ويقومون للأمر بها والنهي عنها، فلا بد من آمر وناهٍ. وإذا كان لا بد من ذلك، فدخول المرء تحت طاعة الله ورسوله الذي بأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، خير له. والله قد أنزل الكتاب بالحق والميزان، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، ليقوم الناس بالقسط. ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم أُمته بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يؤدّوا الأمانة، وأن يحكموا بالعدل، وأمر بطاعتهم".

أقول: على قواعد القرآن والسنة، وهذه المدارك الحكيمة الحصيفة العالية - وقد بلغت الغاية في الضلاعة والسّداد وإصابة الأهداف كما نرى- أقام الرجل بناء دعوته، وأفرغ في هذه الدعوة كل طاقاته وصفاء عقله وقلبه. فجاءت على مثاله ضلاعةً وسموًّا وجلالًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت