على أنّ العلم والعمل الدائب، لا يجديان في تحقيق المطامح الكبيرة ما لم يُرْفَدا بخصلة عظيمة تصرّف العلم والعمل، تلك هي خصلة العلم الكُلّي بالسياسة الشرعية، وقد حباه الله جلَّ وعزّ هذا الرجل، فكملت له بها صفات الزعامة المطلقة، وتيسر له بها وهو يصرّف جهاده أن ينزل الثريا من مناطها وهو قائم غير قاعد.
إنّ كل خصاله العبقريّة المتحابّة، ما كانت لتبلغه غايته، لولا امتلاكه هذه الخصلة من العلم الكلّي بالسياسة الشرعية، وتصريفه شؤون الدعوة بها في كل حالاته.
تقوم هذه الخصلة العظيمة عند صاحب الحظ العظيم على الفكر العميق الذي يتعلق بالكليات أكثر مما يتعلق بالجزئيات، ويطلب الجوهر لا العرض، واللباب لا القشور، ويلتمس له في كل ذلك أسبا الحكمة وحسن التلقّي والعطاء.
تأملت في المنظور والمسموع من سيرة (محمّد بن عبدالوهّاب) ، وفي إدارته دفّة ثورته التجديدية ستين عامًا، فوجدته يتمتع من هذه الخصلة بحظّ عظيم، وأنّ علمه كلّه الذي اكتسب قد ارتبط عنده بالبصيرة والتفكّر والتدبر والحكمة، وبصيرته تدين لطبعه السليم ووعيه، ووعيه وعي كونيّ في أعماقه العقيدة في الله راسخة الجذور وتامّة الحضور، وقد قامت عنده على سواء الإيمان العميق بالذات الإلهيّة، وعلى سواء الحق والنزاهة والإخلاص، ومُدْركاتُه تشير إلى النظر المحيط والتصفية والتيقظ للجوهر وطلبه. وجدته وهو ينقل هذه المدركات من أصول العلم الكلي بالسياسة الشرعية إلى تلاميذه والدعاة الذين أعدهم على سواء العلم والعمل والخلق، ويلزمهم العمل بها دائمًا وأن لا يفارقوها بحال من الأحوال.
كتب رحمه الله لبعض من كاتبهم ناصحًا ومرشدًا ومعلمًا (ولينظر إلى يُسْر تعابيره وإلى صدقه فيما يقرر كيف يعزو الرأي إلى صاحبه ولا يدّعيه لنفسه، ثم إلى التفقّه في الشيء قبل العمل به، وإلى لزوم ربط العلم بالعمل وبالسياسة الشرعية في منطلقاته) ، قال:
"وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، وأن يكون رفيقًا فيما يأمر به وينهى عنه، صابرًا على ما جاءه من الأذى، وأنتم محتاجون للحرص على هذا الفهم والعمل به، فإنّ الخلل إنّما يدخل على صاحب الدين من قلّة العمل بهذا أو قلّة فهمه، وأيضًا يذكر العلماء أنّ إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق، لم يَجُزْ إنكاره، فالله الله في العمل بما ذكرت لكم، والتفقّه فيه، فإنّكم إن لم تفعلوا، صار إنكاركم مَضرَّةً على الدين، والمسلم [لا] يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه".
وفي رسالة ثانية، نجده يتواضع فيما يقرره، ويدعو لمذاكرته ونصيحته فيما يُظنّ أنّه على غير جادّة الحق، فيقول: