استصفى ذهنه الناقد الممحص المحضَ واللُّباب، وطرح الزُّؤان والزَّيْف وشخّص الداء، وعيّن الدَّواء، وأوفى من ذلك على الغاية.
ثم رسم الخطوط العريضة للإصلاح ومساراته على بيّنة من العلم ونهجه القويم، وقد وَقَر في قرارة نفسه أن يحقق في (جزيرة العرب) أمرين عظيمين متلازمين، لا ينفصم أحدهما من الآخر، ولا يقوم أحدهما بدون الآخر:
إنشاء مجتمع مسلم مُوَحِّد ومُوَحَّد رفيعِ الفكر، صالحِ العمل، حيّ قوي دفاق، متحرك ومتوثب في سبيل الخير الإنساني العام، تُطَبّق فيه أحكام الشريعة العادلة السمحة في جميع الحالات.
وتكوين دولة مؤمنة عادلة قوية الشكيمة، تنتظم (جزيرة العرب) تحت راية القرآن، وتقضي على تعدد الإمارات والامتيازات، وتذيب الفروق، وتقيم الصلاح بالإسلام: تحوط به المجتمع وترعاه أحسنَ ما تكون الحياطة والرعاية، صدقًا وعدلًا وإخلاصًا وبرًّا وعملًا، والدولة عنده الولاية، وسوف أذكر كلامه فيها.
استوحى نهجه هذا من الإسلام وتاريخه، ففكّر ثم قدر ثم عمل، واتبع مساره العلمي والعملي خُطا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم خطوةً خطوةً، وما حاد عن هذا المسار القويم قِيدَ شعرة في شيءٍ ما من عقيدته ومن عمله.
إنه نظر إلى الإسلام في بدايته، وكيف صَلُح به الناس، وكيف قامت دولته العظمى الإنسانية العادلة الرحيمة في الأرض، لأول مرة في تاريخ البشرية المعروف.
ثم نظر إلى ما صار إليه المسلمون من بعدُ، من التفرُّق والفساد وزوال السلطان، والتمس العلّة في ذلك، فاستحال في عقله أن يكون من السبب الواحد مُسَبَّبانِ متباينان: ارتقاء وهبوط، وتوحد وتفرّق، عزة وذلة .. إلى آخر ما هنالك من الأضداد، ووجد العلّة كلّ العلّة فيما تدنّى إليه المسلمون كامنةً في هذا الانحراف عن أصلي الإسلام العظيمين: كتاب الله، وسنة رسوله.
تولى كبر جريمة هذا الانحراف أناس دخلوا في الإسلام ظاهرًا، وأَسَرُّوا الكيد له باطنًا على غاية من سوء النية والمكر والدهاء، بعد أن عجزوا عن القضاء عليه مواجهة. وقد ذهب هؤلاء في أعمالهم الباطنية الرهيبة طرائق قددًا، ولبسوا لَبُوسًا متعدد الألوان والأسماء، ولكنّ المقاصد تحته واحدة .. وتوصلوا على تراخي الزمن إلى ما أرادوه. لقد جعلوا القرآن (عمود الإسلام الأكبر) عِضِينَ، وأدخلوا إلى العقول فيما أدخلوه أنه ذو وجهين: وجه لفظي ظاهر غير مراد، ووجه معنوي باطني والواجب العمل به في المعتقد وفي التعبّد، وتأولوا آياته بأهوائهم فصرفوا الألفاظ