القيّم الجوزية، وقد برع وفاق فكان قمّة شامخة في العلم والفكر والنظر والإخلاص. وهكذا فتح له (ابن سيف) الطريق الأفيح إلى عُباب المعارف، وقاده إلى النَّهَل والعَلّ من أصفى ينابيع المفاهيم الإسلامية، والتضلُّع من ريّها الشافي، ووصل أفقه بأفق الإصلاح الذي ينشده، وسدّده على النهج القويم المستقيم.
وأفاد من الآخر (وهو الشيخ محمّد حياة السندي: عالم نيّر العقل سديد الرّأي، من أهل السند) تبصيرًا بالاستقلال في الفهم وجدواه، وتنفيرًا من التقليد والتعصب لمذهب بعينه من هذه المذاهب الفقهية، أو المدارس الفقهية في الأصح، وإرشادًا إلى الدَّوَران مع الحق حيث كان، استدلالًا عليه بالأدلة القواطع من صحيح النقل وصريح العقل، ذلك أن الله تعالى قد هدى إلى التبصُّر والتفكر واستعمال العقل لتبيُّنِ كلّ أمر، وبشَّرَ عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووصفهم بأنّهم هم الذين هداهم الله وهو أولو الألباب.
تلك جمل من محصول (محمد بن عبدالوهاب) ، تصف أوانًا من المنازع العقلية والمعتقدات والمشارب، وقد أحاط بكل شيء منها علمًا، ووعيًا عميقًا، تمثله فكره تمثيلًا تامًا، فأفاد منها حُظوظًا من العلم والفكر والنظر الجديد .. وانضاف إلى ذلك علْم آخر من أحوال هذه المجتمعات، التي عاش فيها في شرقي جزيرة العرب وغربيّها، وفي البصرة، وقد لابس فيها الناس، وبَلا معتقداتهم وتعبّداتهم، وما هم عليه من حق ومن باطل، ووجد البلوى - بلوى الانحراف عن أصول الإسلام الصحيح في المعتقدات والتعبدات والمعاملات، وفي النزوع إلى التجسيد، والتلبس بالبدع ومحدثات الأمور- بلوى عامّةً، وهو في البصرة والأحساء والحرمين مثلها في العيينة بلده.
وكان قد حسب في صِباه الشأن خاصًّا ببلده، فإذا هو أكبر ممّا كان يظنّ.
وقد خرج من العيينة، ليعود إليها يصلح معتقدات ناسها، ويقيمهم على شرائع الإسلام الصحيح، ويقوّم المنآد المعوجّ من الأفكار والأعمال.
ولكنهُ انتهى آخر الأمر، بفضل ما اكتسب في هذه الرحلات العلمية الواعية المستوعبة، إلى التفكير في إصلاح أهل (جزيرة العرب) أجمع، وبسط سلطان فكره على ما وراء جزيرة العرب من أوطان الإسلام.