(سمعت يا أبا الوليد؟) قال: سمعت. قال: (فأنت وذاك) [1] .
فهذا الرجل جاء لإقناع الرسول صلى الله عليه وسلم بترك الدعوة! وهو مشرك ومع ذلك يستمع له النبي صلى الله عليه وسلم منصتًا لكلامه ولا يقاطعه! حتى إذا فرغ من كلامه قال له صلى الله عليه وسلم: أفرغت أبا الوليد؟ ثم يطلب منه الاستماع إليه كما استمع هو، فيتلو عليه آيات من كلام الله تعالى.
فهذا درس في أدب الحوار: أن تستمع من الطرف الآخر، وأن تُسمعه ما عندك بأدب وحُسن قصد، وهو إرادة الهداية له.
وقد جادل النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب بالتي هي أحسن ممتثلًا قول ربه تعالى: (( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ) [العنكبوت:46] واشتد معهم في النقاش إلى درجة المباهلة [2] . قال الله تعالى: (( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) ) [آل عمران:61] .
ثالثًا: الحذر من الكلام على الله بغير علم، ومن ذلك تحجير رحمة الله تعالى، والقول بأن الله لا يغفر لفلان! أو القول بأن الفئة الفلانية لا تهتدي أو أنهم لا يمكن أن يتوبوا من باطلهم هو من التقول على الله بغير علم، وقد قال تعالى: (( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ) ) [النحل:116] .
رابعًا: يخطئ كثير من الشباب والمبتدئين في طلب العلم بخلط المفاهيم الشرعية، ومن ذلك: عدم تفريقهم بين عقيدة الولاء والبراء وبين حُسن الخلق في التعامل مع الآخر، سواء كان الآخر من الكافرين كفرًا أصليًا أو مرتدًا أو مبتدعًا، وهذه المسألة يطول فيها الكلام،
(1) البداية والنهاية (3/ 63 - 64) .
(2) المباهلة: المُلاَعَنَة. وهي أَن يجتمع القوم إِذا اختلفوا في شيء فيقولون: لَعْنَةُ الله على الظالم منا.