"وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات؛ إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعًا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية؛ لأن الكليات نص من الجزئيات غير قليل، وشأنها في الغالب أن لا تختص بمحل دون محل، ولا بباب دون باب."
وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له؛ كالزلة والفلتة، وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين، حيث قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، وأئمة مضلون) . ولكن إذا قرب موقع الزلة؛ لم يحصل بسببها تفرق في الغالب، ولا هدم للدين، بخلاف الكليات" [1] ."
وقال شيخ الإسلام:
"ومما ينبغي أيضًا أن يعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة .. إلى أن قال: ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعة المسلمين يوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ، والله يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك .. إلى أن قال: بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه، وفرق بين جماعة المسلمين، وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتل مخالفه دون موافقه؛ فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات، ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون ..." [2] .
رواية المخالف وحكم قبولها:
ومما يلحق هذا مسألة رواية المخالف، فإن كثيرًا من العلماء يفرقون في هذه المسألة بين المخالفين باعتبار بدعتهم، وباعتبار نشاطهم وتحمسهم لهذه البدعة، فيفرقون بين صاحب
(1) الاعتصام (2/ 712 - 713) .
(2) مجموع الفتاوى (3/ 348) .