عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مِنْ هَمْدَانَ، قَالَ: فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنَعَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يَحْقِرَهُ قَوْمُهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: آتِيهِمْ فَأُخْبِرُهُمْ ثُمَّ آتِيكَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ، قَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلَقَ وَجَاءَ وَفْدُ الأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ ) ) (29) .
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدِّيلِيِّ وَكَانَ جَاهِلِيًّا أَسْلَمَ فَقَالَ: (( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَصَرَ عَيْنِي بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ عَلَيْهِ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ شَيْئًا وَهُوَ لَا يَسْكُتُ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا إِلَّا أَنَّ وَرَاءَهُ رَجُلًا أَحْوَلَ وَضِيءَ الْوَجْهِ ذَا غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا قَالُوا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَذْكُرُ النُّبُوَّةَ قُلْتُ مَنْ هَذَا الَّذِي يُكَذِّبُهُ قَالُوا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ قُلْتُ إِنَّكَ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ صَغِيرًا قَالَ لَا وَاللَّهِ إِنِّي يَوْمَئِذٍ لَأَعْقِلُ ) ) (30) .
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدِّيلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: (( رَأَيْتُ أَبَا لَهَبٍ بِعُكَاظٍ وَهُوَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا قَدْ غَوَى فَلَا يُغْوِيَنَّكُمْ عَنْ آلِهَةِ آبَائِكُمْ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَفِرُّ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى أَثَرِهِ وَنَحْنُ نَتْبَعُهُ وَنَحْنُ غِلْمَانُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أَحْوَلَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ أَبْيَضَ النَّاسِ وَأَجْمَلَهُمْ ) ) (31) .
وقال ربيعة بن عباد: (( رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذي المجاز، يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله عز وجل، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا من دينكم ودين آبائكم، قلت: من هو؟ قالوا: هذا أبو لهب ) ) (32) .
وعن طارق بن شداد رضي الله عنه قال: (( رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين: رأيته بسوق ذي المجاز، وأنا في بياعة لي، فمر وعليه حلة حمراء، وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه وعرقوبيه، وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوا هذا، فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا غلام من بني عبد المطلب، فقلت: من هذا الذي يرميه بالحجارة؟ فقيل: عمه عبد العزى أبو لهب ) ) (33) .
وعن شيخ من بني مالك بن كنانة: (( رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: (( أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ) )، قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: أيها الناس، لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم، وتتركوا اللات والعزى قال: وما يلتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )) (34) .
قال ابن كثير: (( كذا قال في هذا السياق (( أبو جهل ) )وقد يكون وهمًا، ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا وتارة يكون ذا، وأنهما كانا يتناوبان على إيذائه - صلى الله عليه وسلم - )) (35) .
وعن جابر رضي الله عنه: (( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبث عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم في الموسم، ومجنة، وعكاظ، ومنازلهم في منى: من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالات ربي، فله الجنة، فلا يجد أحدًا ينصره، ويؤويه، حتى إن الرجل ليرحل من مضر، أو من اليمن إلى ذوي رحمه، فيأتيه قومه، فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله -عز وجل- يشيرون إليه بالأصابع... ) ) (36) .
الدروس والعظات:
1-هذه القصص تكشف عن مدى الجهد والكيد الذي تبذله قريش في محاربة الدعوة وصاحبها على المستوى الفردي والجماعي.
2-حمل الرسالة في مجتمع ضال معناه أن المصلح سينكر أشياء تعارف عليها الناس فعليه بتوطين نفسه على المعارضة والمحاربة والإيذاء.
3-لقاء الرسول مع بعض القبائل لم يدخلها الإسلام، ولكن على أقل تقدير أثار التسائل عندهم، والتشكيك فيما هم عليه من معتقدات، واستثمرهم كأداة إعلامية لأقوامهم وديارهم، حيث إنهم سيتحدثون بما وجدوه في سفرتهم هذه وسيذكرون من لقوا ومن لقيهم وما هي الأحاديث التي دارت معهم، وهذا مكسب عظيم بحد ذاته وتعريف بالإسلام وقضيته، كما يستخدمه أصحاب القضايا اليوم بسفراتهم وتنقلاتهم بين البلدان تعريفًا بقضيتهم.
4-لم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفرط في فرصة من الفرص أو مجال من المجالات في تبليغ دعوته فهو يحضر المواسم ويغشى الأسواق ويلتقي بالوفود قبائل وأفرادًا.
5-البحث عن مأوى ومحضن للدعوة تحتمي به حتى تكون حرة طليقة، وذلك في تتبع الناس وتقصد مواقعهم ومنازلهم.
6-استخدام قريش في الصد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخطر وسيلة إعلامية آن ذاك وهو عمه أبو لهب في زمن يعتبر للقبيلة وزنها في الدفاع عن أصحابها على حد قول القائل:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
وفي زمن تقوم الحرب الطاحنة بسبب إهانة جمل امرأة من القبيلة فكيف برجل منها.
وما أشق ذلك على نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - المكلف بالتبليغ عن ربه، والذي يدعو الناس بالكلمة الطيبة وهو وحيد غريب، فينبري أقرب الناس إليه يطارده أمام الناس الناظرين إليه، يرميه بالحجارة فيدمي عقبيه، ويحثو التراب على رأسه ووجهه، ويكيل له التهم وهو المعروف بينهم بالأمانة والصدق والوفاء.
7-ثقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنصر الله له جعلته لا ييأس ولا يمل، ويدأب في نشر الدعوة فهذه قبيلة ترده، وتلك لا تستمع إليه، وأخرى تقول: قومه أعرف وأعلم به!
8-صبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على مشاقّ الدعوة وعوائقها وتبعاتها فلم يضعفه موقف سخرية، ولم يحبط همته استهزاء مستهزئ من قريش أو من القبائل والأفراد الوافدين على مكة.
9-البدء بالدعوة إلى التوحيد لأنه أساس الإسلام وأصل دعوة الرسل عليهم السلام.
10-معرفة المشركين وفقههم لكلمة لا إله إلا الله وأنها تهدم كل معتقداتهم الوثنية، وأنظمتهم الكفرية، ولهذا تحملوا المقاومة ولم يتفوهوا بها ولو على سبيل المجاملة، وما أجهل أقوامًا من المسلمين اليوم أبو جهل أعرف منهم بلا إله إلا الله.
11-لا يضر الداعية شن أعدائه دعاية عليه فأحيانًا تكون الدعاية دعوة إلى دينه عند كثير من الناس، فكثير ممن أسلم من القبائل خارج مكة نتيجة دعايات قريش ونشرها لذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان ذلك بالصورة المشوهة فليس كل الناس إمعات يقبلون ما يملى عليهم من غيرهم.
12-يتصور الكائدون لهذا الدين أنهم بإمكانهم إطفاء نوره والقضاء عليه بخططهم وكيدهم ومكرهم وهيهات!! إنما مثلهم كمثل من رفع يده أمام نور الشمس يريد حجبها {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة: 32) .
فهذه قريش بذلت جميع إمكاناتها وسخرت جميع طاقاتها وانتدبت جميع رجالاتها لحرب هذا الدين والقضاء على دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ما زادها إلا انتشارًا وقوة بين قبائل العرب كافة.
تهيئة ظروف المدينة للهجرة النبوية:
1-يوم بعاث:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (( كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا فَقَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ ) ) (37) .
بُعاث بضم الباء وفتح العين، مكان أو حصن أو مزرعة، عند بني قريظة، كانت به وقعة بين الأوس والخزرج، وقد قتل فيه حُضَير والد أسيد ابن حضير وهو رئيس الأوس، ورئيس الخزرج عمرو بن النعمان البياضي، وكان النصر في أولها للأوس ثم كسروا وانتصرت الخزرج، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل أربع سنين. قال الحافظ: الأول أصح.
فقتل من أكابرهم من كان يأنف ويتكبر أن يكون تحت حكم غيره.
وكان سببها أن رجلًا من الأوس قتل حليفًا للخزرج فأرادوا أن يقيدوه فامتنعوا، وكانت قاعدتهم أن الأصيل لا يقتل بالحليف، فوقعت بينهم الحرب لأجل ذلك (38) .
2-كون الأوس والخزرج مجاورين لليهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يقولون لهم: سيخرج نبي نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم.
بدء إسلام الأنصار:
صاحب مجلة لقمان:
(( قدم سويد بن الصامت الأنصاري مكة حاجًا أو معتمرًا، فتصدى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سمع به فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك؟
قال: مجلة لقمان - يعني حكمة لقمان -.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها عليّ، فعرضها عليه فقال له: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى عليَّ، وهو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن، ودعاه إلى الإسلام.
فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم وكان قتله يوم بعاث (39) .
سعي الأوس للمحالفة:
عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَ: (( لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ مَكَّةَ وَمَعَهُ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ الْخَزْرَجِ سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ هَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ قَالُوا وَمَا ذَاكَ قَالَ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إِلَى الْعِبَادِ أَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأُنْزِلَ عَلَيَّ كِتَابٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا أَيْ قَوْمِ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ قَالَ فَأَخَذَ أَبُو جُلَيْسٍ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ فَضَرَبَ بِهَا فِي وَجْهِ إِيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْهُمْ وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ قَالَ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا لَقَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ الْإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مَا سَمِعَ ) ) (40) .
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا: (( لما لقيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن قال: وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولئك النفر ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا ) ).
قال ابن إسحاق: (( وهم - فيما ذكر لي - ستة نفر من الخزرج ) )وسندها حسن (41) .
وذكر موسى بن عقبة: (( أنهم ثمانية ) ) (42) .
قال ابن إسحاق: (( فلما قدموا المدينة ذكروا رسول الله، ودعوا إلى الإسلام حتى فشا فيهم، حتى كان العام المقبل وافى الموسم اثنا عشر رجلًا، فبايعوا بالعقبة على بيعة النساء ) ).
العقبة الأولى:
قال ابن إسحاق: (( قال عبادة بن الصامت: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء -وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب- على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرج لنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله عز وجل إن شاء غفر وإن شاء عذب ) ) (43) .
روى مسلم عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: (( أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ: أَنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَزْنِيَ، وَلا نَقْتُلَ أَوْلادَنَا، وَلا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ) )متفق عليه (44) .
بعث معهم مصعب بن عمير:
ذكر ذلك ابن إسحاق، والبيهقي في (( الدلائل ) )، وابن سعد، وذكر أن ذلك كان بطلب من الأنصار (45) .
وقد نجح رضي الله عنه في مهمته فأسلم على يديه عدد كبير من أهل المدينة، ويدل على حذاقته وقدرته على الحوار والإقناع قصة إسلام أسيد بن حضير، ثم قصة إسلام سعد بن معاذ وإسنادها حسن إلا أنها مرسلة (46) .
الدروس والعظات:
1-موقف أبي الحيسر دليل على قول عائشة: (( كان يوم بعاث... ) )فموقف الرؤساء من الدعوة دائمًا موقف المعارضة.
2-لقاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الأنصار كان عابرًا، بدون أي تخطيط مسبق، وهكذا نصر الله للداعية من حيث لا يحتسب إذا عرف منه الصدق والإخلاص: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (الطلاق: 2) ، {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرَى} (الطلاق: 4) .
3-التعرف على المدعوين قبل دعوتهم، حيث سألهم عن اسمهم ثم قال: (( أمن موالي يهود ) ).
4-بيان الداعية للمدعوين معرفته بحالهم وأنه لا يكلمهم من فراغ، لما قال: أمن موالي يهود. أو أنه يستغل غربتهم، أو جهلهم... الخ.
5-معرفة حال كل قوم وما يصلح لهم قبل دعوتهم.
6-عدم فرض الدعوة على الناس أو التعالي في دعوتهم، حيث قال لهم: ألا تجلسون.
7-هذا الأسلوب في العرض بيان لما ينبغي أن يكون عليه الداعية من التأدب مع المدعوين.
8-تقدير ظروف المدعوين قبل دعوتهم، فهذا العرض (( ألا تجلسون ) )نهاية الأدب، وفيه تقدير واحترام ورفع من معنوية وقيمة المدعوين، ولعلّ عندهم عذرًا أو شغلًا يمنعهم من الجلوس والاستماع فهو قائم باحترام ذلك كله.
9-شد اهتمام المدعوين للدعوة، فالداعية والمصلح لا ينبغي له أن يجعل بضاعته رخيصة فيعرضها في أي ظرف، فقوله: (( ألا تجلسون أكلمكم ) )شد لانتباههم وأنه عنده شيء جديد ينبغي الجلوس والإصغاء إليه، ليس كغيره من الناس يذكرون لهم ما عندهم في أي حال كانوا، وإنما عنده شيء مهمّ يتطلب الجلوس والاستماع والإصغاء.
10-رعاية الأتباع وعدم التفريط فيهم ومتابعة نماء الدعوة، مثل: إرسال مصعب.
11-العناية التامة باختيار الداعية فقد توفر بمصعب عدة صفات، فإلى جانب حفظه للقرآن ومعرفته بالإسلام، فهو يتميز بالذكاء والفطنة وحسن التصرف، وجودة العرض، والقدرة على الإقناع.
12-أن الإسلام يذهب جميع الفوارق والعداوات ويصهر أتباعه في وحدة واحدة من أول لحظة يعتنقه أتباعه إذا كانوا على الفطرة، فها هو قد أذهب الشحناء بين الأوس والخزرج في أول سنة فيقدم وفد العقبة من الأوس والخزرج.
13-إن الإسلام ليس كلمة تقال باللسان فحسب، بل هو حياة كاملة ومنهج شامل لجميع نواحي الحياة فلم يكتفِ منهم بقول: (( لا إله إلا الله ) ).
14-البدء بتربية الناس واختبار قدراتهم في الاتباع والانقياد على الأمور البسيطة قبل فرض التكاليف التي تحتاج إلى تضحية كالجهاد مثلًا، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - طلب منهم ترك بعض ما انتشر عندهم من فساد، ولم يطالبهم بتكاليف أخرى غير إخلاص العبادة لله ونبذ الشرك.
15-البدء بالأساس عند أخذ العهد والميثاق وهو التوحيد.
16-تنقية وتطهير المجتمع من الرذائل مقدمة على الجهاد.
17-إشعار الناس بمراقبة الله وخشيته، وليس بسلطة النظام، فما هددهم بالمتابعة والمراقبة في التزامهم بالتطبيق، وإنما قال لهم: (( فإن وفيتم فلكم الجنة... ) ).
18-إحاطة الداعية بواقع المجتمع وأحوال الناس، حيث جاءت البيعة على ترك المفاسد المنتشرة في المجتمع حاليًا وليس عن مفاسد متوقعة أو غير قائمة.
19-تربية الناس على الطاعة المتبصرة والواعية لا على الطاعة العمياء، فقد جاء في نص وثيقة البيعة: (( ولا نعصيه في معروف ) ).
20-أن هذا الدين ما إن تخالط بشاشته القلوب حتى يصبح معتنقه نشطًا في الدعوة، فالأنصار لما رجعوا إلى أهلهم -ومع أنهم لم يجلسوا مع صاحب الرسالة إلا مرة واحدة- إلا أنهم حملوا مشعل هذا الدين واعتبروا أنفسهم الدعاة المناط بهم تبليغه ونشره؛ فلهذا أسلم على أيديهم أعداد كثيرة.
العقبة الثانية:
قال جابر بن عبد الله: (( مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى يَقُولُ مَنْ يُؤْوِينِي مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مُضَرَ كَذَا قَالَ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنُكَ وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ يَثْرِبَ فَآوَيْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعًا فَقُلْنَا حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ فَاجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُكَ قَالَ تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ قَالَ فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ فَقَالَ رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جَبِينَةً فَبَيِّنُوا ذَلِكَ فَهُوَ عُذْرٌ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ قَالُوا أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ فَوَاللَّهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا وَلَا نَسْلُبُهَا أَبَدًا قَالَ فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَشَرَطَ وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ ) ) (47) .