فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 205

روى البخاري بسنده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المدينة راكبًا راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا (1) للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمن في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل» ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما (2) .

وفي رواية أنس بن مالك: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخل وقبور المشركين، وخرب، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فكانوا يرتجزون، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يقولون:

اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة (3)

شرع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في العمل مع أصحابه، وضرب أول معول في حفر الأساس الذي كان عمقه ثلاث أذرع، ثم اندفع المسلمون في بناء هذا الأساس بالحجارة، والجدران، التي لم تزد عن قامة الرجل إلا قليلًا، باللبن الذي يعجن بالتراب ويسوى على شكل أحجار صالحة للبناء (4) وفي الناحية الشمالية منه أقيمت ظلة من الجريد على قوائم من جذوع النخل، كانت تسمى «الصفة» أما باقي أجزاء المسجد فقد تركت مكشوفة بلا غطاء (5) .

أما أبواب المسجد فكانت ثلاثة: باب في مؤخرته من الجهة الجنوبية، وباب في الجهة الشرقية كان يدخل منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإزاء باب بيت عائشة، وباب من الجهة الغربية يقال له باب الرحمة أو باب عاتكة (6) .

أولًا: بيوتات النبي - صلى الله عليه وسلم - التابعة للمسجد:

وبني لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حُجَر حول مسجده الشريف، لتكون مساكن له ولأهله، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك والأكاسرة والقياصرة، بل كانت بيوت من ترفع عن الدنيا وزخارفها، وابتغى الدار الآخرة، فقد كانت كمسجده مبنية من اللبن والطين وبعض الحجارة، وكانت سقوفها من جذوع النخل والجريد، وكانت صغيرة الفناء قصيرة البناء ينالها الغلام الفارع بيده، قال الحسن البصري- وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة-: «قد كنت أنال أول سقف في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - بيدي» (7) ، وهكذا كانت بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - في غاية البساطة، بينما كانت المدينة تشتهر بالحصون العالية التي كان يتخذها علية القوم تباهيا بها في السلم واتقاءً بها في الحرب، وكانوا من تفاخرهم بها يضعون لها أسماء كما كان حصن عبد الله بن أبي ابن سلول اسمه مزاحمًا، وكما كان حصن حسان بن ثابت - رضي الله عنه - اسمه فارعًا.

ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنى بيوته بذلك الشكل المتواضع، وكان باستطاعته أن يبني لنفسه قصورًا شاهقة، ولو أنه أشار إلى رغبته بذلك- مجرد إشارة- لسارع الأنصار في بنائها له، كما كان بإمكانه أن يشيدها من أموال الدولة العامة كالفيء ونحوه، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك ليضرب لأمته مثلًا رفيعًا وقدوة عالية في التواضع والزهد في الدنيا، وجمع الهمة والعزيمة للعمل لما بعد الموت (8) .

ثانيًا: الأذان في المدينة:

(1) مربد، الموضع الذي يجفف فيه التمر، القاموس المحيط (1/304) .

(2) البخاري، كتاب بدء الخلق، باب هجرة النبي وأصحابه (5/78) .

(3) مسلم، كتاب المساجد، باب ابتناء مسجد النبي، رقم 524.

(4) انظر: البداية والنهاية (3/33) انظر: التاريخ السياسي والعسكري، على معطي، ص156.

(5) انظر: البداية والنهاية (3/303) محمد رسول الله لمحمد رضا، ص143.

(6) انظر: التاريخ السياسي والعسكري لدولة المدينة، علي معطي، ص157.

(7) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة، (2/36) .

(8) انظر: التاريخ الإسلامي للحميدي، (4/13) .

تشاور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه لإيجاد عمل ينبه النائم ويذكر الساهي، ويعلم الناس بدخول الوقت لأداء الصلاة، فقال بعضهم: ترفع راية إذا حان وقت الصلاة ليراها الناس، فاعترضوا على هذا الرأي؛ لأنها لا تفيد النائم، ولا الغافل، وقال آخرون نشعل نارًا على مرتفع من الهضاب، فلم يقبل هذا الرأي أيضًا. وأشار آخرون ببوق، وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم، فكرهه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يجب مخالفة أهل الكتاب في أعمالهم، وأشار بعض الصحابة باستعمال الناقوس، وهو ما يستعمله النصارى، فكرهه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيضا، وأشار فريق بالنداء فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي بها فَقُيل هذا الرأي. وكان أحد المنادين عبد الله بن زيد الأنصاري، فبينما هو بين النائم واليقظان، إذ عرض له شخص، وقال: ألا أعلمك كلمات تقولها عند النداء بالصلاة؟ قال بلى: فقال له: قل: الله أكبر، مرتين، وتشهد مرتين، ثم قل: حي علي الصلاة مرتين، ثم قل: حي على الفلاح مرتين، ثم كبر مرتين: ثم قل: لا إله إلا الله. فلما استيقظ توجه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخبره خبر رؤياه فقال: «إنها لرؤيا حق» ثم قال له: «لقن بلالًا فإنه أندى صوتًا منك» ، وبينما بلال يؤذن للصلاة بهذا الأذان جاء عمر بن الخطاب يجر رداءه فقال: والله لقد رأيت مثله يا رسول الله. وكان بلال بن رباح أحد مؤذنيه بالمدينة، والآخر عبد الله بن أم مكتوم، وكان بلال يقول في أذان الصبح بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين وأقره الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ذلك (1) ، وكان يؤذن في البداءة من مكان مرتفع ثم استحدث المنارة (المئذنة) .

ثالثًا: أول خطبة خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة:

كانت أول خطبة خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة أنه قام فيهم، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

«أما بعد: أيها الناس فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راعٍ، ثم ليقولن له ربه، وليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دون: ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالا، وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينًا وشمالًا فلا يرى شيئًا، ثم لينظرن قُدامه فلا يرى غير جنهم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنها بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم وعلى رسول الله ورحمة الله وبركاته» .

ثم خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى فقال:

«إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه أحبوا من أحبه الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما يخلق الله؛ يختار ويصطفي قد سماه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله، إن الله يغضب إن نكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» (2) .

رابعًا: الصُّفَّة التابعة للمسجد النبوي:

لما تم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة بأمر الله تعالى، وذلك بعد ستة عشر شهرًا من هجرته - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة (3) بقي حائط القبلة الأولى في مؤخر المسجد النبوي، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به فظلل أو سقف وأطلق عليه اسم الصفة أو الظلة (4) ولم يكن له ما يستر جوانبه (5) .

قال القاضي عياض: الصفة ظلة في مؤخر مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأوي إليها المساكين وإليها ينسب أهل الصفة (6) .

وقال ابن تيمية: الصفة كانت في مؤخرة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في شمالي المسجد بالمدينة المنورة (7) .

وقال ابن حجر: الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل (8) .

1-أهل الصفة:

(1) انظر: نور اليقين للخضري، تحقيق أحمد عبد اللطيف، ص 95، تاريخ خلفية بن خياط، ص56، نقلا عن تاريخ دولة الإسلام الأولى، د. فايد حماد عاشور، سليمان أبو عزب، ص108.

(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/166، 167) سنن البيهقي (2/524، 525) .

(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (1/257)

(4) انظر: وفاء الوفاء للسمهودي (1/321) ... (4) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/258) .

(6) انظر: نظام الحكومة النبوية المسمى: التراتيب الإدارية، لعبد الحي الكتاني (1/474) .

(7) الفتاوى (11/38) . ... (7) انظر: فتح الباري (6/595) ، (1/535) .

قال أبو هريرة: «وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد» (1) .

إن المهاجرين الأوائل الذين هاجروا قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو معه أو بعده حتى نهاية الفترة الأولى قبل غزوة بدر، استطاع الأنصار أن يستضيفوهم في بيوتهم وأن يشاركوهم النفقة ولكن فيما بعد كبر حجم المهاجرين مما لم يعد هناك قدرة للأنصار على استيعابهم (2) .

فقد صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئًا بعد شيء، فإن الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه.. ويكثر المهاجرون إلى المدينة من الفقراء والأغنياء، والآهلين والعُزَّاب، فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إليه، يأوي إلى تلك الصُّفة في المسجد (3) .

والذي يظهر للباحث أن المهاجر الذي يقدم إلى المدينة كان يلتقي بالرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يوجهه بعد ذلك إلى من يكفله فإن لم يجد فإنه يستقر في الصفة مؤقتًا ريثما يجد السبيل (4) فقد جاء في المسند عن عبادة بن الصامت، قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن، فدفع إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا، وكان معي في البيت أُعشيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن» (5) ، وقد كان أول من نزل الصفة المهاجرون (6) لذلك نسبت إليهم فقيل صفة المهاجرين (7) وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود التي كانت تقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - معلنة إسلامها وطاعتها (8) وكان الرجل إذا قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان له عريف نزل عليه وإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة (9) وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - عريف من سكن الصفة من القاطنين، ومن نزلها من الطارقين، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد دعوتهم عهد إلى أبي هريرة فدعاهم لمعرفته بهم، وبمنازلهم ومراتبهم في العبادة والمجاهدة (10) ونزل بعض الأنصار في الصفة حباًّ لحياة الزهد والمجاهدة والفقر، رغم استغنائهم عن ذلك ووجود دار لهم في المدينة ككعب بن مالك الأنصاري، وحنظلة بن أبي عامر الأنصاري (غسيل الملائكة) وحارثة بن النعمان الأنصاري وغيرهم (11) .

2-نفقة أهل الصفة ورعاية النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لهم:

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعهد أهل الصفة بنفسه، فيزورهم ويتفقد أحوالهم ويعود مرضاهم، كما كان يكثر مجالستهم ويرشدهم ويواسيهم ويذكرهم ويعلمهم ويوجههم إلى قراءة القرآن الكريم ومدارسته، وذكر الله والتطلع إلى الآخرة (12) . وكان - صلى الله عليه وسلم - يؤمن نفقتهم بوسائل متعددة ومتنوعة فمنها:

* إذ أتته - صلى الله عليه وسلم - صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها.

* كثيرًا ما كان يدعوهم إلى تناول الطعام في إحدى حجرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهم، ولم يكن يغفل عنهم مطلقًا، بل كانت حالتهم ماثلة أمامه، فعن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، قال إن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال مرة: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس» أو كما قال، وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشرة (13) .

* وكما كان - صلى الله عليه وسلم - يقدم حاجتهم على غيرها مما يطلب منه، فقد أتى بسبي مرة فأتته فاطمة رضي الله عنها تسأله خادمًا، فكان جوابه كما في المسند عند الإمام أحمد: «والله لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوي بطونُهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم» (14) .

3-انقطاعهم للعلم والعبادة والجهاد:

كان أهل الصفة يعتكفون في المسجد للعبادة، ويألفون الفقر والزهد فكانوا في خلواتهم يصلون ويقرأون القرأن ويتدارسون آياته ويذكرون الله تعالى، ويتعلم بعضهم الكتابة حتى أهدى أحدهم قوسه لعبادة بن الصامت - رضي الله عنه -؛ لأنه كان يعلمهم القرآن والكتابة (15) ، واشتهر بعضهم بالعلم وحفظ الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل أبي هريرة - رضي الله عنه - عرف بكثرة تحديثه، وحذيفة بن اليمان الذي اهتم بأحاديث الفتن.

(1) البخاري رقم 6452.

(2) انظر: السيرة النبوية تربية أمة وبناء دولة للشامي، ص175.

(3) الفتاوى (11/40،41) . ... (2) انظر: السيرة النبوية تربية أمة وبناء دولة، ص175.

(5) المسند (5/324) . ... (4) انظر: وفاء الوفاء السمهودي، (1/323) .

(7) سنن أبي داود (2/361) . ... (6) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/258) .

(9) ، 8، 9) نفس المصدر (1/259) . ... (10) المصدر السابق (1/266) .

(13) البخاري رقم 3581، ومسلم برقم 2057. ...

(14) أصل الحديث في البخاري برقم 3113، وهذا لفظ المسند (1/106، مرقم 838) . ...

(15) سنن أبي داود (2/237) وابن ماجه (2/730) .

وكان أهل الصفة يشاركون في الجهاد، بل كان منهم الشهداء ببدر مثل صفوان بن بيضاء، وخريم بن فاتك الأسدي، وخبيب بن يساف، وسالم بن عمير، وحارثة بن النعمان الأنصاري (1) ، ومنهم من استشهد بأحد مثل حنظلة الغسيل (2) ، ومنهم من شهد الحديبية مثل جرهد بن خويلد وأبو سريحة الغفاري (3) ومنهم من استشهد بخيبر مثل تقف بن عمرو (4) ومنهم من استشهد بتبوك مثل عبد الله ذو البجادين (5) .

ومنهم من استشهد باليمامة مثل سالم مولى أبي حذيفة وزيد بن الخطاب، فكانوا رهبانًا بالليل فرسانًا في النهار (6) ، وكان بعض الصحابة قد اختاروا المكوث في الصفة رغبة منهم لا اضطرارا، كأبي هريرة - رضي الله عنه - فقد أحب أن يلازم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعوض ما فاته من العلم والخير، فقد جاء إلى المدينة بعد فتح خيبر في العام السابع، وحرص على سماع أكبر قدر ممكن من حديثه - صلى الله عليه وسلم - ومعرفة أحواله وتبركا بخدمته - صلى الله عليه وسلم - وهذا لا يتوفر له إلا إذا كان قريبًا من بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانت الصفة هي المكان الوحيد الذي يؤمن له ذلك، ولنستمع إليه يوضح لنا ذلك، قال أبو هريرة - رضي الله عنه: «إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفْقٌ الأسواق، وكنت ألزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصفة أعي حين ينسون» (7) وهكذا يوضح - رضي الله عنه - أنه فعل ذلك رغبة منه في ملازمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم إن أبا هريرة كان له سكن في المدينة، وهو المكان الذي تسكنه أمه، والتي طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لها بالهداية (8) ثم إن أبا هريرة لم يكن فقيرًا معدمًا، ففي أول يوم قدم فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر أسهم له - صلى الله عليه وسلم - من الغنيمة، كما أنه لما قدم كان معه عبد يخدمه كما ورد في الصحيح (9) وإذن فالذي أفقره هو إيثاره ملازمة النبي - صلى الله عليه وسلم - واستماع أحاديثه، وكان يستطيع الاستغناء عن الصُّفة لو أراد (10) .

كان أهل الصفة يكثرون ويقلون بحسب تبدل الأحوال التي تحيط بأهل الصُّفة من عودة الأهل، أو زوج، أو يسر بعد عَسر، أو شهادة في سبيل الله.

ولم يكن فقرهم لقعودهم عن العمل وكسب الرزق، فقد ذكر الزمخشري أنهم كانوا يرضخون النوى بالنهار، ويظهر أنهم كانوا يرضخون النوى- يكسرونه- لعلف الماشية وهم ليسوا أهل ماشية، فهم إذن يعملون لكسب الرزق (11) .

4-عددهم وأسماؤهم:

كان عددهم يختلف باختلاف الأوقات، فهم يزيدون إذا قدمت الوفود إلى المدينة ويقلون إذا قل الطارقون من الغرباء على أن عدد المقيمين منهم في الظروف العادية كان في حدود السبعين رجلًا (12) ، وقد يزيد عددهم كثيرًا حتى أن سعد بن عبادة كان يستضيف وحده ثمانين منهم، فضلًا عن الآخرين الذين يتوزعهم الصحابة (13) ، ومن أراد الوقوف على بعض أسمائهم فليرجع إلى كتب السيرة (14) .

وقد وقع بعض الباحثين في خطأ فادح حين استدل بعضهم على مشروعية مسلك بعض المنحرفين من المتصوفة، من حيث ترك العمل والإخلاد إلى الراحة والكسل، والمكوث في الزوايا والتكايا، بحجة التوكل بحال أهل الصفة (15) . إن أبا هريرة، وهو أكثر ارتباطًا بالصفة من غيره لم يستمر فيها وخرج إلى الحياة، بل أصبح أميرًا في بعض أيامه على البحرين في عهد عمر بن الخطاب، ولم يكن مخشوشنا في حياته (16) بل إن أهل الصفة كانوا من المجاهدين في سبيل الله في ساحات القتال، وقد استشهد بعضهم كما ذكرت.

خامسًا: فوائد ودروس وعبر:

1-المسجد من أهم الركائز في بناء المجتمع:

إن إقامة المساجد من أهم الركائز في بناء المجتمع الإسلامي، ذلك أن المجتمع المسلم إنما يكتسب صفة الرسوخ والتماسك، بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه، وإنما ينبع ذلك من روح المسجد ووحيه (17) .

(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/264) . ... (5) انظر: حلية الأولياء (1/375) .

(3) نفس المصدر (1/353: 355) . ... (7) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/264) .

(5) ،9) نفس المصدر (1/264) . ... ...

(7) البخاري رقم 2047، مسلم رقم 2492. ... (2) مسلم برقم 2491.

(9) انظر: السيرة النبوية تربية أمة وبناء دولة، ص184.

(10) نفس المصدر، ص184.

(11) انظر: المدينة النبوية فجر الإسلام والعصر الراشدي لشراب (1/222) .

(12) انظر: أبو نعيم الحلية (1/339: 341) . ... (7) نفس المصدر (1/341) .

(14) على سبيل المثال: السيرة النبوية الصحيحة (1/262، 263) .

(15) انظر: السيرة النبوية تربية أمة وبناء دولة، ص186. ...

(16) نفس المصدر، ص188. ... (3) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص203، بتصرف.

قال تعالى: ( لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) [التوبة: 108] .

قال تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآَصَالِ صدق الله العظيم رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ صدق الله العظيم لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [النور: 36-38] .

2-المسجد رمز لشمولية الإسلام:

أ- حيث أنشئ ليكون متعبدًا لصلاة المؤمنين وذكرهم الله تعالى وتسبيحهم له، وتقديسهم إياه بحمده وشكره على نعمه عليهم، يدخله كل مسلم، ويقيم فيه صلاته وعبادته ولا يضاره أحد، ما دام حافظًا لقداسته ومؤدياًّ حق حرمته» (1) .

ب- كما «أنشئ ليكون ملتقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه والوافدين عليه، طلبًا للهداية ورغبة في الإيمان بدعوته وتصديق رسالته» (2) .

ج- وهو قد أنشئ ليكون جامعة للعلوم والمعارف الكونية والعقلية والتنزيلية، التي حث القرآن الكريم على النظر فيها، وليكون مدرسة يتدارس فيها المؤمنون أفكارهم وثمرات عقولهم، ومعهدا يؤمه طلاب العلم من كل صوب، ليتفقهوا في الدين ويرجعوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين، داعين إلى الله هادين، يتوارثونها جيلًا بعد جيل (3) .

د- وهو قد أنشئ ليجد فيه الغريب مأوى، وابن السبيل مستقرًا لا تكدره منَّة أحد عليه فينهل من رفده ويعب من هدايته ما أطاق استعداده النفسي والعقلي، لا يصده أحد عن علم أو معرفة أو لون من ألوان الهداية، فكم من قائد تخرج فيه، وبرزت بطولته بين جدرانه، وكم من عالم استبحر علمه في رحابه، ثم خرج به على الناس يروي ظمأهم للمعرفة، وكم من داعٍ إلى الله تلقى في ساحاته دروس الدعوة إلى الله فكان أسوة الدعاة، وقدوة الهداة، وريحانة جذب القلوب شذاها فانجفلت تأخذ عنها الهداية لتستضيء بأنوارها» (4)

وكم من أعرابي جلف لا يفرق بين الأحمر والأصفر، وفد عليه فدخله ورأى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوله هالة تحف به، يسمعون منه وكأن على رؤوسهم الطير، فسمع معهم وكانت عنده نعمة العقل مخبأة تحت ستار الجهالة، فانكشف له غطاء عقله، فعقل وفقه، واهتدى واستضاء، ثم عاد إلى قومه إمامًا يدعوهم إلى الله، ويربيهم بعلمه الذي علم، وسلوكه الذي سلك فآمنوا بدعوته، واهتدوا بهديه، فكانوا سطرًا منيرًا في كتاب التاريخ الإسلامي» (5) .

هـ- وهو «قد أنشئ ليكون قلعة لاجتماع المجاهدين إذا استنفروا، تعقد فيه ألوية الجهاد، والدعوة إلى الله، وتخفق فيه فوق رؤوس القادة الرايات للتوجه إلى مواقع الأحداث، وفي ظلها يقف جند الله في نشوة ترقب النصر أو الشهادة.

و- وهو «قد أنشئ ليجد فيه المجتمع المسلم الجديد ركنًا في زواياه، ليكون مشفى يستشفى فيه جرحى كتائب الجهاد ليتمكن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - من عبادتهم، والنظر في أحوالهم والاستطباب لهم، ومداواتهم في غير مشقة ولا نصب تقديرًا لفضلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت