فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 205

13)واجترت: من الجرة وهي ما تخرجها البهيمة من كرشها تمضغها.

(14) يربض: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا، أي يقعوا على الأرض للنوم والراحة.

(15) ثجا: لبنا كثيرًا سائلا. ... (12) علاه البهاء: أي أعلا الإناء بهاء اللبن.

(17) أراضوا: أي رووا، فنقعوا بالري، يريد شربوا مرة بعد مرة.

(18) عجافا: ضد السمن، وهو جمع عجفاء وهي المهزولة.

(19) يتساوكن هزلا: يتمايلن من الضعف.

(20) عازب: بعيدة المرعى لا تأوي إلى البيت إلا في الليل، حيال: لا تحمل.

(21) ظاهر الوضاءة: ظاهر الجمال والحسن ... .

(18) أبلغ الوجه: مشرق الوجه مضيئه.

(23) نحلة: من النحول والدقة والضمور، أي أنه ليس نحيلا.

(24) صعلة: صغر الرأس وهي تعني الدقة والنحول في البدن.

(25) وسيم: الوسيم المشهور بالحسن كأنه صار الحسن له سمة.

(26) دعج: شديد سواد العين في شدة بياضها. ...

(5) في أشفاره وطف: الشعر النابت على الجفن فيه طول.

، وفي أشفاره وطف (1) ، وفي صوته صهل (2) وفي عنقه سطع (3) وفي لحيته كثاثة، أزج (4) ، أقرن (5) ، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما (6) وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لا هذر ولا نزر (7) ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربع (8) لا يأس من طول (9) ولا تقتحمه العين من قصر (10) غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود (11) ، محشود (12) ، لا عابس ولا مُفنَّد (13) .

قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. (14)

سابعًا: سراقة بن مالك يلاحق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حيًّا أو ميتًا، فله مائة ناقة، وانتشر هذا الخبر عند قبائل الأعراب الذين في ضواحي مكة، وطمع سراقة بن مالك بن جعشم في نيل الكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجهد نفسه لينال ذلك، ولكن الله بقدرته التي لا يغلبها غالب، جعله يرجع مدافعًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ما كان جاهدًا عليه.

قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي، وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جُعشم، أن أباه أخبره، أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: جاءنا رُسُل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، دية كل منها لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة إني رأيت آنفا أَسْوِدة (15) بالساحل أُراها محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم: فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهى من وراء أكمة (16) فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه (17) الأرض وخفضت عالية حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام (18) فاستقسمت بها، أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي، وعصيت الأزلام؛ تُقَرّب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت (19) يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضتْ فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان (20) ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني (21) ولم يسألاني، إلا أن قال: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي في كتاب آمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم (22) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم (23) .

(2) صهل: كالبحة وهو ألا يكون حاد الصوت. ... (7) سطع: طول العنق.

(4) أزج: دقيق شعر الحاجبين مع طولهما.

(5) أقرن: متصل ما بين حاجبين من الشعر، أو مقرون الحاجبين.

(6) سما: علا برأسه، أو بيده وارتفع.

(7) لا هذر ولا نذر: الهذر من الكلام ما لا فائدة فيه والنزر: القليل.

(8) رَبْع: ليس بالقصير ولا بالطويل. ... (13) لا يأس من طول: لا يجاوز الناس طولا.

(10) لا تقتحمه العين من قصر: لا تزدريه ولا تحتقره. ... (15) محفود: مخدوم.

(12) محشود: يجتمع الناس حواليه.

(13) لا عابس ولا مفند: ليس عابس الوجه ولا مفند: ليس منسوبًا إلى الجهل وقلة العقل.

(14) انظر: الهجرة النبوية المباركة (ص 104-106) والهوامش منه ببعض تصرف.

(15) أسودة: جمع قلة لسواد وهو الشخص يرى من بعيد أسود، الهجرة في القرآن، ص344.

(16) الأكمة: هي الرابية. ... (3) الزج: الحديدة في أسفل الرمح.

(18) الأزلام: الأقداح التي كانت في الجاهلية مكتوب عليها الأمر، والنهي: افعل ولا تفعل.

(19) ساخت يدا فرسي: أي غاصت في الأرض.

(20) عثان: أي دخان، وجمعه عواثن على غير قياس، النهاية (3/183) .

(21) فلم يرزآني: أي لم يأخذا مني شيئًا. ... (8) أديم: قطعة من جلد.

(23) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، رقم 3906. ... (10) التزبب في الإنسان: كثرة الشعر وطوله.

وكان مما اشتهر عند الناس من أمر سراقة ما ذكره ابن عبد البر، وابن حجر وغيرهما، قال ابن عبد البر: روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» قال: فلما أُتى عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه، دعا سراقة بن مالك فألبسه إياها، وكان سراقة رجلًا أزب (1) كثير شعر الساعدين، وقال له: ارفع يديك فقال: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز الذي كان يقول: أنا رب الناس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جعشم أعرابياًّ من بني مدلج، ورفع بها عمر صوته (2) ، ثم أركب سراقة، وطيف به المدينة، والناس حوله، وهو يرفع عقيرته مرددًا قول الفاروق: الله أكبر، الحمد الله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابياًّ من بني مدلج (3) .

ثامنًا: سبحان مقلب القلوب:

كان سراقة في بداية أمره يريد القبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسلمه لزعماء مكة لينال مائة ناقة، وإذا بالأمور تنقلب رأسًا على عقب، ويصبح يرد الطلب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل لا يلقى أحدًا من الطلب إلا رده قائلا: كفيتم هذا الوجه، فلما اطمأن إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصل إلى المدينة المنورة، جعل سراقة يقص ما كان من قصته وقصة فرسه، واشتهر هذا عنه، وتناقلته الألسنة حتى امتلأت به نوادي مكة، فخاف رؤساء قريش أن يكون ذلك سببًا لإسلام بعض أهل مكة، وكان سراقة أمير بني مدلج، ورئيسهم فكتب أبو جهل إليهم:

بني مدلج إني أخاف سفيهكم ... سراقة مستغوٍ لنصر محمد

عليكم به ألا يفرق جمعكم فيصبح شتى بعد عز وسؤدد ... فيصبح شتى بعد عز وسؤدد

فقال سراقة يرد على أبي جهل:

أبا حكم والله لو كنتَ شاهدًا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه

علمت ولم تَشْكُك بأن محمدًا ... رسول وبرهان فمن ذا يقاومه

عليك فكُف القوم عنه فإنني ... أرى أمره يومًا ستبدو معالمه

بأمر تود الناس فيه بأسرهم ... بأن جميع الناس طُرًا مسالمه (4)

تاسعًا: استقبال الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

لما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة، كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرون حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفَى رجل من يهود على أُطُم (5) من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مبيضين (6) يزول بهم السراب (7) ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب هذا جدكم (8) الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين (9) ، من شهر ربيع الأول (10) فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صامتًا، فطفق من جاء من الأنصار، ممن لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك «فلبث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة (11) ، وأُسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ركب راحلته» (12) .

وبعد أن أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدة التي مكثها بقباء، وأراد أن يدخل المدينة «بعث إلى الأنصار فجاءوا إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين، فركب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح» (13) .

وعند وصوله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أخذ أهل المدينة يقولون: «جاء نبي الله، جاء نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، جاء نبي الله» (14) .

(2) انظر: الروض الأنف (4/218) ، الهجرة في القرآن، ص346.

(3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/495) . ... (3) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/494) .

(4) أطم: كالحصن. ... (5) مبيضين: عليهم ثياب بيض.

(7) السراب: أي يزول بهم السراب عن النظر بسبب عروضهم له.

(8) جدكم: حظكم وصاحب دولتكم، الذي تتوقعونه.

(9) قال الحافظ بن حجر: هذا هو المعتمد وشذ من قال يوم الجمعة، الفتح (7/544) .

(10) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، ص351. ... (4) نفس المصدر، ص352.

(12) صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي (5/77، 78) .

(13) ،7) نفس المصدر رقم 3911. ... (8) الهجرة في القرآن الكريم، ص 353.

فكان يوم فرح وابتهاج لم تر المدينة يومًا مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم كأنهم في يوم عيد، ولقد كان حقًّا يوم عيد؛ لأنه اليوم الذي انتقل فيه الإسلام من ذلك الحيز الضيق في مكة إلى رحابة الانطلاق والانتشار بهذه البقعة المباركة المدينة، ومنها إلى سائر بقائع الأرض. لقد أحس أهل المدينة بالفضل الذي حباهم الله به، وبالشرف الذي اختصهم به أيضًا، فقد صارت بلدتهم موطنًا لإيواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته المهاجرين، ثم لنصرة الإسلام كما أصبحت موطنًا للنظام الإسلامي العام التفصيلي بكل مقوماته، ولذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج، ويقولون: يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله (1) .

روى الإمام مسلم بسنده قال: «عندما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، صعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق العلماء والخدم في الطرق ينادون: «يا محمدُ، يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله» (2) .

وبعد هذا الاستقبال الجماهيري العظيم الذي لم يرد مثله في تاريخ الإنسانية سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل في دار أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - فعن أنس - رضي الله عنه - في حديث الهجرة الطويل وفيه: «فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب فإنه ليحدث أهله (3) إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف (4) لهم فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي مع فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أي بيوت أهلنا (5) أقرب» فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي، قال: «فانطلق فهيئ لنا مقيلا (6) ...» (7) ثم نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه.

وبهذا قد تمت هجرته - صلى الله عليه وسلم - وهجرة أصحابه رضي الله عنهم، ولم تنته الهجرة بأهدافها وغاياتها، بل بدأت بعد وصول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سالمًا إلى المدينة، وبدأ معها رحلة المتاعب والمصاعب والتحديات، فتغلب عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للوصول للمستقبل الباهر للأمة، والدولة الإسلامية، التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة، على أسس من الإيمان والتقوى، والإحسان والعدل، بعد أن تغلبت على أقوى دولتين كانتا تحكمان في العالم، وهما: دولة الفرس ودولة الروم (8) .

عاشرًا: فوائد ودروس وعبر:

1-الصراع بين الحق والباطل: صراع قديم وممتد، وهو سنة إلهية نافذة قال عز وجل: ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [الحج: 40] .

ولكن هذا الصراع معلوم العاقبة:( كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ

عَزِيزٌ ) [المجادلة: 21] .

2-مكر خصوم الدعوة بالداعية: أمر مستمر متكرر، سواء عن طريق الحبس أو القتل أو النفي والإخراج من الأرض، وعلى الداعية أن يلجأ إلى ربه وأن يثق به ويتوكل عليه ويعلم أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله (9) ، كما قال عز وجل: ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) [الأنفال: 30] .

ومن مكر أهل الباطل وخصوم الدعوة استخدام سلاح المال لإغراء النفوس الضعيفة للقضاء على الدعوة والدعاة، ولذلك رصدوا مائة ناقة لمن يأتي بأحد المهاجرين حيًّا أو ميتًا، فتحرك الطامعون ومنهم سراقة، الذي عاد بعد هذه المغامرة الخاسرة ماديًّا بأوفر ربح وأطيب رزق، وهو رزق الإيمان، وأخذ يعمَّي الطريق عن الطامعين الآخرين الذين اجتهدوا في الطلب، وهكذا يرد الله عن أوليائه والدعاة (10) قال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) [الأنفال: 36] .

(2) مسلم، كتاب الزهد والرقائق باب حديث الهجرة، رقم 2009.

(3) الضمير هنا للنبي - صلى الله عليه وسلم - (فتح الباري(7/251) ... (2) يخترف: أي يحتبي من ثمارها، انظر: النهاية (2/24)

(5) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، ص354. ... (4) مقيلا: أي مكانًا تقع فيه القيلولة.

(7) البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي إلى المدينة (5/79) .

(8) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، ص355. ... (7) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص199.

(10) انظر الهجرة النبوية المباركة، ص200. ...

3-إن من تأمل حادثة الهجرة ورأى دقة التخطيط فيها، ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها، ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها، يدرك أن التخطيط

المسدد بالوحي في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قائمًا، وأن التخطيط جزء من السنّة النبوية وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ما طولب به المسلم وأن الذين يميلون إلى العفوية، بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السنّة أمثال هؤلاء مخطئون ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين (1) .

فعندما حان وقت الهجرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وشرع النبي - صلى الله عليه وسلم - في التنفيذ نلاحظ الآتي:

* وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت، رغم ما كان يكتنفها من صعاب وعقبات، وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروسًا دراسة وافية، فمثلا:

أ- جاء - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت أبي بكر في وقت شديد الحر- الوقت الذي لا يخرج فيه أحد- بل من عادته لم يكن يأتي فيه، لماذا؟ حتى لا يراه أحد.

ب- إخفاء شخصيته - صلى الله عليه وسلم - أثناء مجيئه للصديق، وجاء إلى بيت الصديق متلثمًا، لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم (2) .

ج- أمر - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن يُخرِج مَنْ عنده، ولما تكلم لم يبين إلا الأمر بالهجرة دون تحديد الاتجاه.

د - وكان الخروج ليلًا ومن باب خلفي في بيت أبي بكر (3) .

هـ- بلغ الاحتياط مداه، باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم، والاستعانة بذلك بخبير يعرف مسالك البادية ومسارب الصحراء، ولو كان ذلك الخبير مشركًا ما دام على خلق ورزانة، وفيه دليل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان لا يحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها (4) .

* انتقاء شخصيات عاقلة لتقوم بالمعاونة في شؤون الهجرة، ويلاحظ أن هذه الشخصيات كلها تترابط برباط القرابة، أو برباط العمل الواحد، مما يجعل من هؤلاء الأفراد وحدة متعاونة على تحقيق الهدف الكبير.

* وضع كل فرد من أفراد هذه الأسرة في عمله المناسب، الذي يجيد القيام به على أحسن وجه ليكون أقدر على أدائه والنهوض بتبعاته.

* فكرة نوم علي بن أبي طالب مكان الرسول، فكرة ناجحة، قد ضللت القوم وخدعتهم، وصرفتهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى خرج في جنح الليل تحرسه عناية الله وهم نائمون، ولقد ظلت أبصارهم معلقة بعد اليقظة بمضجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - فما كانوا يشكون في أنه ما يزال نائمًا، مسجى في بردته في حين النائم هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.

ونرى احتياجات الرحلة قد دبرت تدبيرا محكما:

أ- علي:- رضي الله عنه - ينام في فراش الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليخدع القوم، ويُسلَّم الودائع ويلحق بالرسول.

ب- وعبد الله بن أبي بكر: صاحب المخابرات الصادق، وكاشف تحركات العدو.

جـ- وأسماء ذات النطاقين: حاملة التموين من مكة إلى الغار، وسط جنون المشركين بحثًا عن محمد - صلى الله عليه وسلم - ليقتلوه.

د- وعامر بن فهيرة: الراعي البسيط الذي قدم اللحم واللبن إلى صاحبي الغار، وبدد آثار أقدام المسيرة التاريخية بأغنامه، كيلا يتفرسها القوم، لقد كان هذا الراعي يقوم بدور الإمداد والتموين.

هـ- وعبد الله بن أريقط: دليل الهجرة الأمين، وخبير الصحراء البصير، ينتظر في يقظة إشارة البدء من الرسول، ليأخذ الركب طريقه من الغار إلى يثرب.

فهذا تدبير للأمور على نحو رائع دقيق، واحتياط للظروف بأسلوب حكيم، ووضع لكل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسد لجميع الثغرات، وتغطية بديعة لكل مطالب الرحلة، واقتصار على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادة ولا إسراف.

لقد أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالأسباب المعقولة أخذًا قويًّا حسب استطاعته وقدرته.. ومن ثم باتت عناية الله متوقعة (5) .

4-الأخذ بالأسباب أمر ضروري:

إن اتخاذ الأسباب أمر ضروري وواجب، ولكن لا يعني ذلك دائمًا حصول النتيجة، ذلك لأن هذا أمر يتعلق بأمر الله، ومشيئته ومن هنا كان التوكل أمرًا ضرورياًّ وهو من باب استكمال اتخاذ الأسباب.

إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعد كل الأسباب، واتخذ كل الوسائل ولكنه في الوقت نفسه مع الله، يدعوه ويستنصره أن يكلل سعيه بالنجاح، وهنا يستجاب الدعاء، وينصرف القوم بعد أن وقفوا على باب الغار، وتسيخ فرس سراقة في الأرض ويكلل العمل بالنجاح (6) .

5-الإيمان بالمعجزات الحسية:

(1) انظر: الأساس في السنة، سعيد حوى (1/357) .

(2) انظر: في السيرة النبوية قراءة لجوانب الحذر والحيطة، ص141.

(3) انظر: معين السيرة، ص147. ... (5) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، ص361.

(5) انظر: أضواء على الهجرة، لتوفيق محمد، ص393: 397.

(6) انظر: من معين السيرة، ص148. ... (2،3) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/108) .

وفي هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقعت معجزات حسية، وهي دلائل ملموسة على حفظ الله ورعايته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك -على ما روي- نسيج العنكبوت على فم الغار، ومنها ما جرى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أم معبد، وما جرى له مع سراقة ووعده إياه بأن يلبس سواري كسرى، فعلى الدعاة ألا يتنصلوا من هذه الخوارق، بل يذكروها ما دامت ثابتة بالسنة النبوية على أن ينبهوا الناس على أن هذه الخوارق هي من جملة دلائل نبوته ورسالته عليه السلام (1) .

6-جواز الاستعانة بالكافر المأمون:

ويجوز للدعاة أن يستعينوا بمن لا يؤمن بدعوتهم، ما داموا يثقون بهم ويأتمنونهم على ما يستعينون به معهم، فقد رأينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر استأجرا مشركًا ليدلهم على طريق الهجرة ودفعا إليه راحلتيهما وواعده عند غار ثور، وهذه أمور خطيرة أطلعاه عليها، ولا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وثقا به وأمناه، مما يدل على أن الكافر أو العاصي أو غير المنتسب إلى الدعاة، قد يوجد عند هؤلاء ما يستدعي وثوق الدعاة بهم، كأن تربطهم رابطة القرابة، أو المعرفة القديمة أو الجوار، أو عمل معروف، كان قد قدمه الداعية لهم، أو لأن هؤلاء عندهم نوع جيد من الأخلاق الأساسية، مثل الأمانة وحب عمل الخير إلى غير ذلك من الأسباب، والمسألة تقديرية يترك تقديرها إلى فطنة الداعي ومعرفته بالشخص (2) .

7-دور المرأة في الهجرة:

وقد لمعت في سماء الهجرة أسماء كثيرة كان لها فضل كبير ونصيب وافر من الجهاد: منها عائشة بنت أبي بكر الصديق التي حفظت لنا القصة ووعتها وبلغتها للأمة، وأم سلمة المهاجرة الصبور، وأسماء ذات النطاقين (3) التي ساهمت في تموين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار بالماء والغذاء، وكيف تحملت الأذى في سبيل الله؟ فقد حدثتنا عن ذلك فقالت: «لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر - رضي الله عنه - أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا...» (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت