وأما من جهة التعبير: فالشكر أعم ، لأن الشكر يكون باللسان ويكون بالقلب والجنان ، ويكون بالجوارح والأركان ، فأما شكر الجنان فأشار الله إليه بقوله: { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ } ، أي: اعتقدوا أنها من الله وحده ، فمن اعتقد أن النعمة لله فقد شكر الله ، كذلك يكون الشكر باللسان ، قال-تعالى-: { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } ، وقال نوح:"رب كيف أشكرك وشكرك نعمةٌ تحتاج إلى شكر ؟ قال: عبدي أما وقد علمت أنك لن تستطيع شكري فقد شكرتني".
كذلك أيضًا يكون الشكر بالعمل ، كما قال-تعالى-: { اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا } ، ومن هنا قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة *** يدي ولساني والضمير المحجب
فهذه يدي أي: اعمل في خدمتكم ، ولساني أثني عليكم ، والضمير المحجب أعتقد فضلكم .
قوله-رحمه الله-: [ الحمد لله ] : ألف الحمد للاستغراق ، أي جميع المحامد وجميع الحمد والثناء لله-- عز وجل -- ، وتكون اللام للاختصاص فالمحامد التامة الكاملة على أتم الوجوه وأكملها لاتكون إلا لله وحده لاشريك له ، ولذلك قال-تعالى-: { لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ } .
قوله-رحمه الله-: [ الحمد لله أهل الحمد ] : أي أن الله أهلٌ أن يحمد ، ولذلك قال-عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح حينما رفع رأسه من الركوع قال: (( ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيءٍ بعد أحق ما قال العبد ، كلنا لك عبدٌ ، أهل الثناء والمجد ) )أي أنت يا الله أهلٌ أن يُثنى عليك ، أو أهلَ الثناء والمجد حال كونه-سبحانه- أهلًا لأن يثنى عليه ويمجد .