فمن هنا لن تجد أحدًا تُضبط الرواية عنه ويُضبط القول ويُضبط فقهه مثلما قيض الله لهؤلاء الأئمة الأربعة ، فإذا كانوا في أشخاصهم ضبطوا العلم وشُهد لهم بشهادة العلماء الأجلاء أنهم أهل للفقه وثبت لنا قولهم بالرواية والضبط والتحرير فقد كُفينا مؤنة ثبوت هذا القول عنهم ، وحينئذٍ يكون العمل بقولهم أوثق وأضبط مع أنهم أهل لهذا العلم تعليمًا وكذلك اتباعًا ، لأن الله أمرنا بالرجوع إلى أهل الذكر فقال-تعالى-: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } وأهل الذكر هم أهل الكتاب والسُّنة الذين فقهوا فيهما فعلِموا حلالهما وحرامهما.
ألف الإمام-رحمه الله- هذا الكتاب وجعله أول درجة في علم الفقه ، فيمتاز هذا المتن بالاختصار، ودقة العبارة ، وحسن المعنى الموجود في العبارة ، فاختار الكلمات الدالة الجامعة.
كذلك امتاز بأنه يذكر أحاديث رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- ويستشهد بالأدلة في مواضع .
وامتاز أيضًا بتحصيل مسائل الأصول في الأبواب ، فمن يبتدئ قراءة الفقه بهذا المتن ويركز في ضبطه وفهمه لاشك أنه يسهل عليه بناء ما بعده ، فيستطيع أن ينتقل إلى ما بعده بسهولة بإذن الله-- عز وجل -- ، ولكن الأهم أن يضبط هذا المتن ويحاول فهمه قدر استطاعته.
كذلك - أيضًا - يمتاز متن عمدة الفقه بالترابط والتسلسل الفكري ، فإنه-رحمه الله- امتاز في عرضه للمسائل الفقهية بترتيبها ترتيبًا منطقيًا ، فيبدأ بالأصل ويبدأ بالأساس مما تتوقف عليه ماهية الشيء ثم بعد ذلك يتبعه بأحكام الآثار والمسائل المنبنية على الأصول ، وهذا أدعى للضبط وأسهل في الحفظ ، وأسهل في الاستذكار والاستحضار.