والسبب في هذا أن هؤلاء الأربعة والإمام الظاهري داود الظاهري ، وهو المذهب الخامس كلاهما مسلكان أقرهما رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- أقر من أخذ بظاهر النص وأقر من أخذ بمعنى النص في قصة بني قريضة المشهورة ، فإن النبي -- صلى الله عليه وسلم -- لما قال للصحابة: (( لاتصلوا إلا في بني قريضة ) )اختلف الصحابة في الطريق ، فمنهم من صلى العصر في وقته وقال: إن رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- أراد منا أن نستعجل ، ومنهم من أخر العصر إلى بني قريضة لأنه أخذ بظاهر قوله: (( لاتصلوا العصر إلا في بني قريضة ) )، فالطائفة الأولى نظرت إلى المعنى ، والطائفة الثانية نظرة إلى اللفظ ، قال الراوي: فلم يعنف كلتا الطائفتين ، يعني لم يعنف هؤلاء ولا هؤلاء ، ولكن قال للتي صلت في الوقت: (( أصابت السُّنة ) )، فدل على أن الفهم والاستنباط هو الأساس ، هو المهم والأهم ، ولايمنع هذا أن نقول إن الأصل أن يأخذ الإنسان بظاهر النص حتى يدل الدليل على خلافه .
على كل حال هذه المذاهب الأربعة اشتملت على متون مختلفة ، فإذا قرأ طالب العلم متنًا من المتون وأخذ هذا المتن بالدليل ووقف بين يدي الله يسأله عما يعتقده في عبادته ومعاملته ، فإذا به يعتقد حكمًا بالدليل فقد برأت ذمته ، المهم أنه لايعتقد شيئًا إلا وعنده حجة من كتاب الله وسنة النبي-- صلى الله عليه وسلم -- ، فالعلماء أخذوا بهذه المذاهب وقرؤوا ، كل عالم مبرز ومفتش في دواوين العلم وأئمة السلف ومن بعدهم كلهم تجدهم نبغوا من خلال هذه المذاهب لكنهم لم يتعصبوا فيما ظهر لنا في غالب حالهم ، وتجردوا للحق والدليل وفتح الله عليهم .