فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 41

على أن هناك نفوسًا شريرة؛ شديدة التقبل لوسوسة الشيطان، فهي- حتى حين يضعف تأثير الشيطان في رمضان- يكون فيها شر في ذاتها، فتستمر على ما كانت عليه من معصية وإسراف.

- وفى هذا الشهر ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، (لَيْلَةُ الْقْدرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِِ شَهْرٍ اجب تَنَزَّلُ المَلئِكَةُ وَالرُّوحُ فيِهَا بإِذْنِ رَبِهِم مِنْ كُلِ أَمْرٍ احب سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر: 3 - 5] .

وقد حسب بعض أهل العلم ألف شهر، فوجدوها تزيد على ثلاث وثمانين سنة، وفي موطأ الإمام مالك - بسند مرسل-:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرِيَ أعمار الناس قبله - أو ما شاء الله من ذلك- فكأنه تقاصر أعمار أمته، ألا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، خير من ألف شهر" [1] .

وإنه لفضل عظيم أن يدرك العبد ليلة القدر؛ فيكون قد أدرك فضل ثلاث وثمانين سنة أو أكثر.

- وفيه دعاء مستجاب، فقد ورد عن جابر رضي الله عنه -بسند جيد- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن لٍلهِ في كل يوم وليلة عُتَقَاءَ من النار في شهر رمضان، وإن لكل مسلم دعوة يدعو بها فيستجاب" [2] ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد" [3] ، فليحرص العبد عند إفطاره على التضرع إلى الله تعالى بجوامع الدعاء.

الوقفة السادسة

مع بعض أحكام الصيام

إن الكلام عن أحكام الصيام يطول، ولكن لا بأس بالحديث عن أبرزها باختصار:

أولًا: ما يثبت به دخول رمضان:

يثبت دخوله إما بإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا، أو برؤية هلال رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له" [4] ، وفي لفظ:"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبّي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا" [5] .

ولا يثبت بغير ذلك، ولهذا لا يعتمد- مثلًا- على الرؤيا. ومن طريف ما يُروى - هنا - أن العراقي ذكر في (طرح التثريب) أن القاضي حسين- وهو من فقهاء الشافعية- جاءه رجل فقال له: أنا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: إن الليلة من رمضان، فقال القاضي حسين:"إن الذي تزعم أنك رأيته في المنام رآه الصحابة في اليقظة، وقال لهم: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته".

ولا يجوز -على الراجح- أن يصوم المسلم آخر يوم من شعبان، احتياطًا لرمضان، وأما من صام ذلك اليوم لأنه يوافق يومًا كان يصومه؛ فلا حرج، كأن يصومه لأنه يوافق يوم الاثنين أو الخميس؛ أو لأنه يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوافق يوم صومه آخر شعبان، أو غير ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم" [6] .

ثانيا: النية:

لابد من تبييت النية في صوم الفرض؛ لما روت حفصة - رضي الله عنها-، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" [7] .

أما صيام النفل فلا يجب فيه تبييت النية من الليل؛ بل يجوز بنية من الليل أو النهار، فلو نوى المرء صوم النافلة بعد طلوع الشمس- مثلًا- فصومه صحيح. وهنا تنبيهان حول تبييت النية:

(1) أخرجه مالك (698) مرسلًا، قال ابن عبد البر في التمهيد (24/ 373) : لا أعلم هذا الحديث يروى مسندًا من وجه من الوجوه، ولا أعرفه خارج الموطأ مرسلًا ولا مسندًا، وهذا أحد الأحاديث التي انفرد بها مالك ولكنها رغائب وفضائل وليست أحكامًا، ولا بنى عليها في كتابه ولا في موطئه حكمًا. اهـ.

(2) أخرجه البزار في مسنده، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 149) وقال: رجاله ثقات. اهـ، وأخرج أحمد (7401) مرفوعًا:"إن لله عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة"وقد أشار الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (7/ 203) إلى أن هذا مقيد بشهر رمضان.

(3) أخرجه ابن ماجه (1753) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (636) : إسناد صحيح رجاله ثقات. اهـ

(4) رواه البخاري (1900) ، ومسلم (1080) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

(5) البخاري (1909) ، ومسلم (1081) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(6) رواه البخاري (1914) ، ومسلم (1082) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(7) أخرجه مالك (637) ، وأحمد (25918) ، والدارمي (1698) ،وأبو داود (2454) ، والترمذي (730) ، والنسائي في المجتبى (2331) ، وفي الكبرى (2642) ، وابن ماجه (1700) ، والدارقطني (2/ 172) ، والطبراني في الكبير (367) ، وابن خزيمة (1933) ، والبيهقي في الكبرى (7696) عن حفصة رضي الله عنها. قال البخاري فيما نقله عنه الترمذي في العلل الكبير (202) : فيه اضطراب والصحيح عن ابن عمر موقوفًا. اهـ ورجح وقفه النسائي في الكبرى (2642) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت