- أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، وخلوف فمه هو: الرائحة التي تنبعث من المعدة- عند خلوها من الطعام- عن طريق الفم، وهي رائحة مكروهة عند الخلق، لكنها محبوبة عند الخالق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -في الحديث المتفق عليه-:"والذي نفس محمد بيده؛ لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" [1] .
وفي هذا دليل على أنه لا بأس من أن يستاك الصائم بعد الزوال؛ بل هو أمر مستحب -على القول الراجح الصحيح- في المواضع التي يستحب فيها السواك في كل حال: عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند دخول المنزل، وعند الاستيقاظ من النوم ... إلى غير ذلك من المواضع؛ لأن هذا الخلوف ليس من الفم، وإنما هو من المعدة.
وكما أن خلوف فم الصائم المكروه لدى المخلوقين أطيب عند الله - سبحانه- من ريح المسك؛ فكذلك دم الشهيد يوم القيامة له رائحة المسك، مع أن الدم -من حيث هو- مستقذر؛ بل هو نجس عند أكثر الفقهاء، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما مِن مكلوم [2] يُكْلَم في الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يَدمى، اللون لون دم، والريحُ ريح مسك" [3] .
وهكذا فإن ما قد يكون مكروهًا للبشر يكون محبوبًا عند الله؛ لأنه من آثار التقرب إليه؛ ولهذا كان بكاء المذنبين، وانطراحهم بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ من أعظم القربات إليه، وربما كان في كثير من الأحيان خيرًا من كثير من العبادات والطاعات التي يدلُّ بها العبد، ويستعظمها في نفسه، وقد يزهى بها، بخلاف المنكسرين الباكين، المحسين بتقصيرهم- وإن كانوا مذنبين-.
وليس شيء أعظم من الدعاء؛ لأن الدعاء يتحقق فيه انكسار العبد وذله، وخضوعه بين يدي ربه، ويظهر فيه فقره، وحاجته إلى فضله، وبخاصة حين يكون العبد مضطرًا {أَمَّن يُجيبُ المُضْطرَّ إذا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ} [النمل: 62] .
الوقفة الخامسة
من فضائل شهر رمضان
بعد أن تحدثنا عن فضائل الصوم- فرضًا كان أو نفلًا- نقف هنا مع فضائل الشهر الكريم:
- فهو شهر القران: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءانُ) [البقرة: 185] . وقوله: (أُنزِلَ فِيهِ القُرْءانُ) . يحتمل عدة معان:
فقد يكون المراد إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما جاء ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما-.
وقد يكون المقصود أن إنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ابتدأ في شهر رمضان؛ ذلك أن القرآن نزل أول ما نزل في ليلة تقابل ليلة القدر، وليلة القدر من رمضان.
وقيل: إن معنى قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القُرْءَانُ) أي: الذي أنزل القرآن في مدحه، والثناء عليه، وبيان فضله، وإيجاب صيامه.
وأقوى هذه المعاني هو الأول، والمعنى الثاني قريب منه.
- وهو شهر الصبر، فإن الصبر لا يتجلى في شيء من العبادات تجليه في الصوم، حيث يحبس المسلم نفسه: عن الأكل، والشرب، والجماع وغيره في النهار طوال شهر كامل؛ ولهذا كان الصوم نصف الصبر، وجزاء الصبر الجنة، كما يقول الله تعالى: (إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10] .
- وفيه تغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان. وتصفد الشياطين ومردة الجن، كما جاء في الحديث المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين" [4] وفي لفظ:"وسلسلت الشياطين" [5] ، أي جعلوا في الأصفاد والسلاسل؛ فلا يَصِلون في رمضان إلى ما كانوا يَصِلون إليه في غيره، ولذلك تجد أن وسوسة الشيطان، وكيده، وتلبيسه على الناس في رمضان أقل منه في غيره، بل إن الشيطان يخاف من رمضان كما يخاف من الأذان والإقامة؛ فيوليَّ عند سماعهما.
ولعل من المُشَاهَد الملحوظ أنه إذا أقبل رمضان بدأ العصاة يستعدون للتوبة، وكثيرًا ما يسأل بعض الناس قبيل رمضان أسئلة تدل على استعدادهم للتوبة؛ وعزمهم عليها، فيقول أحدهم: أنا عندي مظلمة؛ فكيف أتخلص منها؟ ويقول آخر: أنا أقع في المعصية الفلانية؛ فكيف أتوب منها؟ ويقول غيره: أنا أقصر في الطاعة الفلانية؛ فكيف أحافظ عليها؟ وهكذا يتأهبون للتوبة قبل رمضان، فالشيطان يخاف من قدوم رمضان وقربه، حيث يضعف كيده وتأثيره، فما بالك إذا دخل رمضان، وسلسل الشيطان، وصفد بالأغلال، فلا يستطيع إغواء الناس إلا في أقل القليل من الذنوب.
(1) أخرجه البخاري (1904) ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) المكلوم: الذي فيه جراح، والكَلْم: الجراحة. مختار الصحاح (ص240) .
(3) رواه البخاري (5533) ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) أخرجه البخاري (1898) ، ومسلم (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله.
(5) البخاري (1899) ، ومسلم (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله.