الثاني: أن ليلة القدر ليست خاصة بهذه الأمة على الراجح، بل هي عامة لهذه الأمة، وللأمم السابقة، فقد روى النسائي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله هل تكون ليلة القدر مع الأنبياء، فإذا ماتوا رفعت؟ قال صلى الله عليه وسلم:"كلا، بل هي باقية".
وهذا الحديث أصح من الحديث الذي رواه مالك في الموطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم أُري أعمار أمته، فكأنه تقالَّها، فأعطي ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر- وقد تقدم ذكر هذا الحديث- (20) .
وعلى فرض صحة هذا الحديث فهو قابل للتأويل، وأما حديث أبي ذر رضي الله عنه فهو صريح في أن ليلة القدر تكون مع الأنبياء. ومما يقوي ذلك قول الله تعالى: (إِنَّا أنزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: 1] . فمن المعلوم أن القرآن يوم أُنْزِل أُنزِلْ بالنبوة على محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قبل ذلك نبيًا، حتى تكون تلك الليلة ليلة القدر في حقه.
الوقفة الرابعة والعشرون
مع العيد
العيد اسم لكل ما يعتاد، والأعياد شعارات توجد لدى كل الأمم، سواء أكانت كتابية أم وثنية أم غير ذلك؛ ذلك أن إقامة الأعياد ترتبط بفطرة، طبع الناس عليها، فكل الناس يحبون أن تكون لهم مناسبات فرح يظهرون فيها السرور، ويتذكرون الماضي.
وأعياد الأمم الكافرة ترتبط بأمور دنيوية، مثل قيام دولة، أو سقوطها، أو تنصيب حاكم، أو تتويجه، أو زواجه، أو بحلول مناسبة زمانية كفصل الربيع، أو غير ذلك.
ولليهود أعيادهم، وللنصارى أعيادهم الخاصة بهم، فمن أعياد النصارى العيد الذي يكون في الخميس الذي يزعمون أن المائدة أنزلت فيه على عيسى عليه السلام؛ وكذلك عيد ميلاد عيسى، وعيد رأس السنة (الكريزمس) ، وعيد الشكر، وعيد العطاء ... ويحتفلون بها الآن في جميع البلاد الأوربية والأمريكية وغيرها من البلاد التي للنصرانية فيها ظهور؛ وإن لم تكن نصرانية في الأصل، وقد يشاركهم بعض المنتسبين إلى الإسلام من حولهم عن جهل، أو عن نفاق.
وللمجوس - كذلك- أعيادهم الخاصة بهم، مثل عيد المهرجان، وعيد النيروز، وغيرهما.
وللرافضة - أيضًا- أعيادهم، مثل عيد الغدير الذي يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع فيه عليًا رضي الله عنه بالخلافة، وبايع فيه الأئمة الاثني عشر من بعده، وللرافضة في هذا العيد مصنفات كثيرة، حتى إن منها كتابًا اسمه"يوم الغدير"يقع في عشرات المجلدات.
أما المسلمون فليس لهم إلا عيدان: عيد الفطر، وعيد الأضحى. ففي سنن أبي داود والنسائي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجدهم يحتفلون بعيدين، فقال صلى الله عليه وسلم:"كان لكم يومان تلعبون فيهما. وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى" [1] ؛ ولذلك قال الشاعر:
عيدانِ عند أولي النُّهى لا ثالث *** لهما لمن يبغي السلامة في غدِ
الفطر والأضحى، وكلُّ زيادة *** فيها خروجٌ عَنْ سَبِيل محمدِ
قال ذلك ردًّا على الشاعر الذي أضاف عيدًا ثالثًا، هو عيد مولد محمد صلى الله عليه وسلم في قوله:
المسلمون ثلاثةٌ أعيادهم *** الفطر والأضحى وعيد المولِدِ
فإذا انتهت أعيادهم فسرورهم *** لا ينتهي أبدًا بحبّ محمدِ
وهذان العيدان اللذان شرعهما الله للمسلمين هما من شعائر الإسلام التي ينبغي إحياؤها، وإدراك مقاصدها، واستشعار معانيها.
* أحكام العيد:
أولًا: يحرم صوم يومي العيدين؛ لحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر [2] .
ثانيًا: يستحب الخروج للصلاة، للرجال والنساء، لقول أم عطية- رضي الله عنها-": أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق [3] والحُيَّض، وذوات الخدور [4] ، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير، ودعوة المسلمين [5] ."
فما دامت الحُيَّض والعواتق، وذوات الخدور قد أُمِرن أن يخرجن لصلاة العيد؛ فلا شك أن من الأولى أن يؤمر الرجال شيبًا وشبابًا بالخروج لها، بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الخروج لصلاة العيد؛ لهذا الحديث، ولغيره من الأدلة؛ كقول الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحً مَنْ تَزَكَّى وَذكَرَ اسْمَ رَبِهِ فَصَلَّى) [الأعلى: 14 - 15] . قال بعضهم: المقصود في هذه الآية صلاة العيد.
(1) أخرجه أحمد (12416) ، وأبو داود (1134) ، والنسائي (1556) .
(2) أخرجه البخاري (1197) ومسلم (827) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3) العواتق: جمع عاتق، وهي الأنثى أول ما تبلغ، والتي لم تتزوج بعد. انظر: لسان العرب (10/ 235) .
(4) الخدور: البيوت، وقيل: الخدر: ستر يكون في ناحية البيت. انظر: النهاية (2/ 13) .
(5) أخرجه البخاري (974) ومسلم (890) من حديث أم عطية الأنصارية رضي الله عنها.