وبعض العلماء استدلوا على أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين بطريقة حسابية، وذلك أن كلمة"ليلة القدر"، تسعة أحرف، وقد ذكرت في السورة ثلاث مرات، فبِضرْب التسعة في الثلاث تكون النتيجة سبعًا وعشرين.
وهذا ليس عليه دليل شرعي، فلا حاجة لمثل هذه الحسابات، فبين أيدينا من الأدلة الشرعية ما يغنينا.
ومما يرجح أنها ليلة سبع وعشرين ما ورد: من أن رجلًا رآها ليلة سبع وعشرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها" [1] .
لكن كونها ليلة سبع وعشرين أمر غالب- والله أعلم- وليس دائمًا، فقد تكون -أحيانًا- ليلة إحدى وعشرين، كما جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه الذي سبق ذكره، وهو حديث متفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد صبيحة إحدى وعشرين في ماء وطين [2] .
* ومما يتعلق بليلة القدر أنه يستحب فيها الإكثار من الدعاء، وبخاصة الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم عائشة- رضي الله عنها- حين قالت:"يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال:"قولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تحب العفو فاعف عني" [3] ."
* العلامات التي تعرف بها ليلة القدر:
العلامة الأولى: ثبت في صحيح مسلم من حديث أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من علاماتها أن الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها [4] .
العلامة الثانية: ثبت من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما- عند ابن خزيمة، ورواه الطيالسي في مسنده، وسنده صحيح؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"ليلة القدر ليلة طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها صفيقة حمراء" [5] .
العلامة الثالثة: ثبت عند الطبراني بسند حسن من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"ليلة القدر ليلة بَلْجَة [6] ، لا حارة ولا باردة، لا يرمى فيها بنجم [7] " [8] .
هذه ثلاثة أحاديث صحيحة في بيان العلامات الدالة على ليلة القدر.
وهناك حديث رواه أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وسنده صحيح، إلا ما يخشى من انقطاعه، لكن يشهد له ما سبق، وهو حديث طويل وعجيب، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنها:"صافية بلجة كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يرمَى به فيها، حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ" [9] .
وقد ذكر بعض أهل العلم علامات أخرى، لا أصل لها، وليست بصحيحة، وإنما أذكرها؛ لأنبه إلى عدم صحتها.
ذكر الطبري أن قومًا قالوا: إن من علاماتها أن الأشجار تسقط حتى تصل إلى الأرض، ثم تعود إلى أوضاعها الأصلية. وهذا لا يصح.
وذكر بعضهم أن المياه المالحة تصبح في ليلة القدر حلوة، وهذا لا يصح.
وذكر بعضهم أن الكلاب لا تنبح فيها، وهذا لا يصح.
وذكر آخرون أن الأنوار تكون في كل مكان، حتى في الأماكن المظلمة، في تلك الليلة، وهذا لا يصح.
* ونختم الحديث عن ليلة القدر بالأمرين التاليين:
الأول: ينبغي أن يعلم أنه لا يلزم أن يعلم من أدرك ليلة القدر أنه أدركها، وإنما العبرة بالاجتهاد والإخلاص، سواء علم بها أو لم يعلم. وقد يكون من الذين لم يعلموا بها، لكنهم اجتهدوا في العبادة والخشوع، والبكاء والدعاء؛ قد يكون مِنْهم مَنْ هم أفضل عند الله تعالى، وأعظم درجة ومنزلة ممن عرفوا تلك الليلة.
(1) البخاري (2015) ، ومسلم (1165) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(2) البخاري (2036) ومسلم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3) أحمد (24969) ، والترمذى (3513) وابن ماجه (3850) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(4) مسلم (762) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
(5) أخرجه ابن خزيمة (2192) والطيالسى (2680) عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقد صححه الألباني في صحيح الجامع (5475) .
(6) لا يرمي فيها بنجم: لا ترسل فيها الشهب.
(7) رواه الطبرانى في الكبير (139) عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5472) .
(8) أخرجه أحمد (22259) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 175) وقال: رجاله ثقات. اهـ لكن: في إسناده خالد بن معدان، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: ثقة عابد يرسل كثيرًا. اهـ وقال ابن أبي حاتم في المراسيل عن أبيه: لم يصح سماعه من عبادة بن الصامت. اهـ وقوله: ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ، أي لا يخرج معها صبيحة ليلة القدر خصوصًا، ذلك أن العادة في كل يوم أن تطلع الشمس بين قرني شيطان كما في صحيح البخاري (3099) وصحيح مسلم (829) .
(9) انظر ص 45.