والمقصود بكتابة مقادير الخلائق في ليلة القدر- والله أعلم- أنها: تنقل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما-:"إن الرجل يُرَى يفرش الفرش، ويزرع الزرع، وإنه لفي الأموات"، أي أنه كتب في ليلة القدر أنه من الأموات، وقيل: إن المعنى أن المقادير تبين في هذه الليلة للملائكة.
وفي سورة القدر يقول الله سبحانه وتعالى عن هذه الليلة العظيمة: (إنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مٍنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَلُ الملائِكَةُ وَالْرُّوحُ فيِها بإِذْنِ رَبِهِم مِن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر: ا- 5] ، فسماها الله تعالى ليلة القدر؛ وذلك لعظيم قدرها، وجلالة مكانتها عند الله - جل وعلا-، ولكثرة مغفرة الذنوب، وستر العيوب فيها، فهي ليلة المغفرة، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه" [1] .
وقيل: إنها سميت ليلة القدر؛ لأن المقادير تُقَدَّر وتكتب فيها.
وقال الخليل بن أحمد: إنما سميت ليلة القدر؛ لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم فيها تلك الليلة، من (القدر) وهو التضييق، قال تعالى: {وَأَمّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: 16] أي: ضيق عليه رزقه.
قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر:2] تنويهًا بشأنها، وإظهارًا لعظمتها. {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] أي: خير مما يزيد على ثلاث وثمانين سنة- كما سبقت الإشارة إلى ذلك- وهذا فضل عظيم لا يقدر قدره إلا رب العالمين- تبارك وتعالى-.
* تحري ليلة القدر:
يستحب تحريها في رمضان، وفي العشر الأواخر منه خاصةً، وفي الأوتار منها بالذات، أي ليالي: إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين. فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان" [2] . وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى" [3] . فهي في الأوتار أحرى وأرجى إذن.
وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامترضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى [4] رجلان من المسلمين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة [5] . أي في الأوتار.
وفي هذا الحديث دليل على شؤم الخصام والتنازع، وبخاصة في الدين، وأنه سبب في رفع الخير وخفائه.
وليلة القدر في السبع الأواخر أرجى؛ ولذلك جاء في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما - أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلة القدر في المنام، في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر" [6] .
وهي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند أحمد، ومن حديث معاوية رضي الله عنه عند أبي داود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" [7] . وكونها ليلة سبع وعشرين هو مذهب أكثر الصحابة وجمهور العلماء، حتى إن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه كان يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين [8] . وأخرج ابن أبي شيبة عن زر أنه سئل عن ليلة القدر، فقال: كان عمر وحذيفة وناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يشكّون أنها ليلة سبع وعشرين [9] .
ومن الأمور التي استنبط منها أن ليلة القدر هي ليلة سبع وعشرين: أن كلمة"فيها"من قوله تعالى: (تَنَزَّلُ المْلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) [القدر: 4] هي الكلمة السابعة والعشرون من سورة القدر.
(1) أخرجه البخاري (1901) ، ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري (2017) ، ومسلم (1169) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3) أخرجه البخاري (2021) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) تلاحى: تخاصم وتنازع. لسان العرب (15/ 242) ، والنهاية (4/ 243) .
(5) البخاري (49) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(6) رواه البخاري (2015) ومسلم (1165) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(7) أخرجه أحمد (4793) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وإسناده صحيح، أخرجه أبو داود (1386) من حديث معاوية بن أبي سفيان، وهذا لفظه.
(8) رواه مسلم (762) عن أبي بن كعب رضي الله عنه.
(9) انظر هذه الروايات وغيرها في الدُّر المنثور تفسير سورة القدر