حقًا أنه لا حرج في أن يعتكف جماعة معًا في مسجد، فقد اعتكف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم معه، حتى لقد كانت إحداهن معتكفةً معه، وهي مستحاضة ترى الدم وهي في المسجد [1] ، فلا حرج أن يعتكف الشخص مع صاحبه أو قريبه أو حبيبه أو صديقه، ولكن الحرج في أن يكون الاعتكاف فرصة للسمر والسهر، والقيل والقال، وما شابه ذلك. ولذلك قال الإمام ابن القيم - بعدما أشار إلى ما يفعله بعض الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم-، قال:"فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون" [2] .
الثالثة: أن بعض الناس يترك عمله، ووظيفته وواجبه المكلف به؛ لكي يعتكف، وهذا تصرف غير سليم؛ إذ ليس من العدل أن يترك المرء واجبًا ليؤدي سنة، فيجب على من ترك عمله الوظيفي واعتكف، أن يقطع الاعتكاف، ويعود إلى عمله.
الوقفة الثانية والعشرون
العشر الأواخر
كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان، مالا يجتهد في غيرها [3] . ومن ذلك أنه كان يعتكف فيها- كما سبق-، ويتحرَّى ليلة القدر خلالها [4] .
وفي الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها-: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر"أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشَدَّ مِئْزره" [5] . زاد مسلم:"وَجَدَّ، وشد مِئْزَره".
قولها"وشد مئزره": كناية عن الاستعداد للعبادة، والاجتهاد فيها زيادة على المعتاد، ومعناه التشمير في العبادات، كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري: أي تشمرت له وتفرغت. وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء، وترك الجماع، وهذا هو الأقرب، فإن هذه كناية معروفة عند العرب، كما قال الشاعر:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم
دون النساء ولو باتت بأطهار
وقولها"أحيا الليل": أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها. وقد جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها-الآخر:"لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن كله في ليلة، ولا قام ليلة حتى الصباح، ولا صام شهرًا كاملًا قط غير رمضان [6] ."
فيحمل قولها:"أحيا الليل"على أنه يقوم أغلب الليل، أو يكون المعنى أنه: يقوم الليل كله، لكن يتخلل ذلك العشاء والسحور وغيرهما، فيكون المراد أنه يحصي معظم الليل.
وقولها:"وأيقظ أهله"أي: أيقظ أزواجه للقيام. ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في سائر السنة، لكن كان يوقظهم لقيام بعض الليل، ففي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال:"سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتنة؟! ماذا أنزل من الخزائن؟! من يوقظ صواحب الحجرات؟ يا رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة" [7] ، وفيه كذلك أنه كان صلى الله عليه وسلم يوقظ عائشة - رضي الله عنها - إذا أراد أن يوتر [8] ، لكن إيقاظه صلى الله عليه وسلم لأهله في العشر الأواخر من رمضان كان أبرز منه في سائر السَّنَةِ.
الوقفة الثالثة والعشرون
ليلة القدر
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:
(حم وَالْكِتبِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرين فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِندِنَا إنَّا كُنَّا مُرْسِلين رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إنّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الدخان: ا- 6] .
أنزل القرآن الكريم في تلك الليلة التي وصفها رب العالمين بأنها"مباركة"، وقد صح عن جماعة من السلف: منهم ابن عباس - رضي الله عنهما-، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وغيرهم ... ؛ أن الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن هي ليلة القدر.
(فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) : أي تقدر في تلك الليلة مقادير الخلائق على مدى العام، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والناجون والهالكون، والسعداء والأشقياء، والحاج والداج [9] ، والعزيز والذليل، والجدب والقحط، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة.
(1) أخرجه البخاري (309) من حديث عائشة - رضي الله عنها-.
(2) زاد المعاد (2/ 90) .
(3) أخرجه البخاري (2024) ، ومسلم (1175) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4) البخاري (2016) ومسلم (1167) من حديث أبي سعيد لخدري رضي الله عنه.
(5) البخاري (2024) ومسلم (1174) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(6) أخرجه البخاري (1969) ، ومسلم (746) ، والنسائي (1641) وهذا لفظه من حديث عائشة رضي الله عنها.
(7) أخرجه البخارى (1126) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(8) أخرجه البخارى (997) ، ومسلم (512) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(9) يقال: ما حج، ولكن دَجَّ: لم يقصد النسك؛ بل قصد التجارة. المعجم الوسيط (1/ 281،280) .