ومما وقع له صلى الله عليه وسلم في اعتكافه ما رواه الشيخان - أيضًا- أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلَّما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم:"على رِسْلِكُما [1] ، إنما هي صفية بنت حُيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! وكبر عليهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم. وفي لفظ: يجري من الإنسان مجرى الدم. وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا. وفي لفظ: شرًا" [2] .
فمن شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على صدق إيمان هذين الأنصاريين، وخشيته أن يلقي الشيطان في قلوبهما شيئًا؛ فيشكّا في الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك كفرًا، أو يشتغلا بدفع هذه الوسوسة؛ بَيَّن صلى الله عليه وسلم الأمر، وقطع الشك، ودفع الوسواس، فأخبرهما أنها صفية - رضي الله عنها-، وهي زوجته.
هذه القصة مما وقع له في اعتكافه صلى الله عليه وسلم وفيها من الدروس ما هو جدير بالتفصيل، لولا خشية الاستطراد عن الموضوع الذي نحن بصدده.
ملحوظات حول الاعتكاف:
الأولى: أن بعض الباحثين ذهبوا إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى.
والصواب أن الاعتكاف جائز في كل مسجد تُصلّى فيه الفروض الخمسة، قال الله تعالى: (وَلاَ تُباشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدْ) [البقرة: 187] ؛ فدل عموم قوله (في الْمَسَاجِدْ) : على أنه جائز في كل مسجد. ويستحب أن يكون في مسجد جامع؛ حتى لا يحتاج المعتكف إلى الخروج للجمعة.
وأما حديث:"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة" [3] ؛ فهو- على القول بصحته- مؤول، بمعنى أن أكمل ما يكون الاعتكاف في هذه المساجد -كما قال أهل العلم-، وقد انقدح في ذهني تأويل آخر للحديث، وهو أن يكون المراد أن من نذر أن يعتكف في مسجد يحتاج إلى سفر للوصول إليه، فإنه لا يسافر إلا أن يكون نذر الاعتكاف في شيء من المساجد الثلاثة.
فلو نذر أحد أن يعتكف مثلًا في مسجد (جُوَاثَى) [4] - وهو أول مسجد صليت فيه الجمعة خارج المدينة المنورة، ولا يزال معروفًا في الأحساء اليوم لو نذر أن يعتكف فيه، فإنه لا يجوز أن يشدُّ الرَّحْل، ويسافر إليه؛ ليعتكف فيه، ولكن يعوض ذلك بأن يعتكف في أحد مساجد بلده، أو يسافر إلى أحد المساجد الثلاثة، ويعتكف فيه.
وإذا نذر المرء أن يعتكف في المسجد الحرام وجب عليه الوفاء بنذره، فيعتكف في المسجد الحرام. ولكن لو نذر -مثلًا- أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو في المسجد الحرام؛ لأن المسجد الحرام أفضل، ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى جاز له أن يعتكف في المسجد الأقصى، أو في المسجد الحرام، أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما أفضل من المسجد الأقصى.
فالخلاصة أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة": لا اعتكاف ينذر ويسافر إليه، وأن الاعتكاف يصح في كل مسجد، وقد أجمع الأئمة -خاصة الأئمة الأربعة- على صحة الاعتكاف في كل مسجد جامع، ولم يقل بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين، لا الأربعة، ولا العشرة، ولا غيرهم، وإنما نقل هذا عن حذيفة رضي الله عنه وواحد أو اثنين من السلف.
الثانية: أن بعض الناس يعدون الاعتكاف فرصة للخلوة ببعض أصحابهم وأحبابهم، وتجاذب أطراف الحديث معهم، وهذا ليس بجيد.
(1) على رسلكما: أي: اتّئدا ولا تعْجلا.
(2) أخرجه البخاري (2035) ومسلم (2175) من حديث أم المؤمنين صفية - رضي الله عنها-.
(3) أخرجه عبد الرزاق (8016) ، وابن أبي شيبة (9669) ، وسعيد بن منصور ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق (1181) ، والفاكهي في أخبار مكة (1334) ، والطبراني (9511) ، الإسماعيلي في معجمه (336) ،و الطحاوي في مشكل الآثار (4/ 20) ، والذهبي في سير أعلام النبلاء (15/ 81) عن حذيفة رضي الله عنه. قال الذهبي: صحيح غريب عال.
(4) جُوَاثَى: اسم مدينة أو حصن بالبحرين. لسان العرب (2/ 129) ، معجم ما استعجم (1/ 401) .