ثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم أراد مضاعفة العمل الصالح، والاستزادة من الطاعات؛ لإحساسه صلى الله عليه وسلم بدنو أجله، كما فهم ذلك من قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كَانَ تَوَّابًَا) [النصر: 1 - 3] فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإكثار من التسبيح والاستغفار في آخر عمره، وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم، فقد كان يكثر في ركوعه وسجوده من قول:"سبحانك اللهم، وبحمدك، اللهم اغفر لي"يتأول القرآن [1] .
ثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك شكرًا لله - تعالى - على ما أنعم به عليه من الأعمال الصالحة: من الجهاد، والتعليم، والصيام، والقيام ... ، وما آتاه من الفضل: من إنزال القرآن عليه، ورفع ذكره ... ، وغير ذلك مما امتن الله تعالى به عليه.
هذه- والله أعلم- أبرز الأسباب التي جعلته صلى الله عليه وسلم يعتكف عشرين يومًا في العام الذي قبض فيه.
وكان صلى الله عليه وسلم يدخل معتكفه قبل غروب الشمس، فإذا أراد - مثلًا -أن يعتكف العشر الأواسط دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي عشر، وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي والعشرين.
أما ما ثبت في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم دخل معتكفه [2] ، فإنما المقصود أنه دخل المكان الخاص في المسجد بعد صلاة الفجر، فقد كان يعتكف في مكان مخصص لذلك، كما ورد في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية [3] .
وكان صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه وهو معتكف في المسجد إلى عائشة - رضي الله عنها - وهي في حجرتها، فتغسله وترجَّله [4] ، وهي حائض -كما جاء في الصحيحين [5] -، وفي مسند أحمد أنه كان يتكئ على عتبة باب غرفتها، ثم يخرج رأسه، فترجله [6] . وفي ذلك دليل على أن إخراج المعتكِفِ بعض جسده من المعتَكَف لا بأس به، كأن يخرج يده أو رجله أو رأسه، كما أن الحائض لو أدخلت يدها أو رجلها - مثلًا - في المسجد فلا بأس؛ لأن هذا لا يعدُّ دخولًا في المسجد.
ومن فوائد هذا الحديث- أيضًا- أن المعتكَفِ لا حرج عليه أن يتنظف، ويتطيب، ويغسل رأسه، ويسرحه، فكل هذا لا يخل بالاعتكاف.
ومما وقع له صلى الله عليه وسلم في اعتكافه ما رواه الشيخان عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائه [7] فضرب؛ أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية، فقال: آلبِرَّ تُرِدْن؟، فأمر بخبائه فقوض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال" [8] . ومعنى قوله:"آلبر تردن"؟ أي: هل الدافع لهذا العمل هو إرادة البر، أو الغيرة والحرص على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
والأظهر- والله أعلم- أن اعتكافه صلى الله عليه وسلم في شوال من تلك السنة بدأ بعد يوم العيد، أي في الثاني من شوال، هذا هو الأظهر، ويحتمل أن يكون بدأ من يوم العيد، فإن صح ذلك فهو دليل على أن الاعتكاف لا يشترط معه الصوم؛ لأن يوم العيد لا يصام.
(1) أخرجه البخاري (817) ومسلم (484) من حديث عائشة رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري (2033) ومسلم (1173) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3) أخرجه مسلم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(4) ترجله: تسوي شعره وتزينه وتسرحه. لسان العرب (11/ 270) ، المعجم الوسيط (1/ 344) .
(5) البخاري (301،2301) ، 19261)، ومسلم (316) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(6) أخرجه أحمد (25804) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(7) الخِبَاءُ من الأَبنية: ما يكون من وَبَر، أو صوف، أو شَعَر. القاموس المحيط (1/ 1650) .
(8) أخرجه البخارى (2033) ومسلم (1173) من حديث عائشة رضي الله عنها.