فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 41

وكما أن الصيام درع للقلب يقيه مغبة صوارف الشهوة: من فضول الطعام، والشراب، والنكاح؛ فكذلك الاعتكاف، ينطوي على سر عظيم، وهو حماية العبد من آثار فضول الصحبة؛ فإن الصحبة قد تزيد على حد الاعتدال؛ فيصير شأنها شأن التُّخمَة بالمطعومات لدى الإنسان، كما قال الشاعر: عدوُّك مِن صَديقكَ مُسْتَفاد فلا تَسْتَكثِرَنَّ من الصِّحَابِ

فإن الدَّاء أَكْثرُ ما تَرَاه يَكُون مِنَ الطعامِ أو الشَّرابِ

وفي الاعتكاف - أيضًا - حماية للقلب من جرائر فضول الكلام؛ لأن المرء غالبًا يعتكف وحده، فيقبل على الله تعالى بالقيام وقراءة القرآن والذكر والدعاء .. ونحو ذلك.

وفيه -كذلك- حماية من كثرة النوم؛ فإن العبد إنما اعتكف في المسجد؛ ليتفرغ للتقرب إلى الله، بأنواع من العبادات، ولم يلزم المسجد لينام.

ولا ريب أن نجاح العبد في التخلص من فضول الصحبة، والكلام، والنوم؛ يسهم في دفع القلب نحو الإقبال على الله تعالى، وحمايته من ضد ذلك.

الجمع بين الصوم والاعتكاف:

لا ريب أن اجتماع أسباب تربية القلب بالإعراض عن الصوارف عن الطاعة أدعى للإقبال على الله تعالى، والتوجه إليه بانقطاع وإخبات؛ ولذلك استحب السلف الجمع بين الصيام والاعتكاف، حتى قال الإمام ابن القيم- رحمه الله-:"ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطرًا قط؛ بل قد قالت عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم" [1] .

ولم يذكر الله - سبحانه- الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم.

فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف:"أن الصوم شرط في الاعتكاف، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية" [2] اهـ.

واشتراط الصوم في الاعتكاف نُقِل عن ابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهما-، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة، واختلف النقل في ذلك عن أحمد والشافعي.

وأما قول الإمام ابن القيم -رحمه الله-:"ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطرًا قط"؛ ففيه بعض النظر، فقد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في شوال [3] ، ولم يثبت أنه كان صائمًا في هذه الأيام التي اعتكفها، ولا أنه كان مفطرًا؛ فالأصح أن الصوم مستحب للمعتكف، وليس شرطًا لصحته.

مع النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه:

اعتكف صلى الله عليه وسلم في العشر الأواسط؛ يلتمس ليلة القدر، ثم تبين له أنها في العشر الأواخر فاعتكفها.

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة، ويستقبل إحدى وعشرين؛ يرجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، ثم إنه أقام في شهر، جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين، قال أبو سعيد رضي الله عنه: مُطِرْنا ليلة إحدى وعشرين، فوكف المسجد [4] في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرت إليه، وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مبتل ماء وطينًا" [5] ؛ فتحقق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وهذا من علامات نبوته.

ثم حافظ صلى الله عليه وسلم على الاعتكاف في العشر الأواخر، كما في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده [6] . وفي العام الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يومًا [7] ، أي: العشر الأواسط والعشر الأواخر جميعًا؛ وذلك لعدة أسباب:

أولها: أن جبريل عارضه القرآن في تلك السنة مرتين [8] ؛ فناسب أن يعتكف عشرين يومًا؛ حتى يتمكن من معارضة القرآن كله مرتين.

(1) أخرجه أبو داود (2473) عن عائشة -رضي الله عنها- وإسناده جيد.

(2) زاد المعاد (2/ 87، 88) .

(3) أخرجه البخاري (2033) ، ومسلم (1173) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

(4) وَكف المسجد: قطر ماء المطر من سقفه.

(5) أخرجه البخاري (2018) ، ومسلم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(6) أخرجه البخاري (2026) ، ومسلم (1172) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(7) أخرجه البخاري (2044) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(8) أخرجه البخاري (3624) ، ومسلم (2450) من حديث عائشة رضي الله عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت