فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 41

منها: أن بعض المعتمرين يهملون أهليهم الذين استرعاهم الله إياهم، فقد يسافر الأب والأم إلى مكة للعمرة، ويتركان أولادهما - من أجل الدراسة- في بلدهم، فيقضي الوالدان نصف رمضان أو أكثر في مكة، والأولاد طوال هذه المدة بدون رقيب، وقد يكونون من الصغار الذين لا يدركون، أو من المراهقين الذين يخشى أن ينزلقوا في مزالق كبيرة - ذكورًا أو إناثًا-؛ بسبب استفزاز شياطين الجن والإنس لهم. وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول!

وقد يحدث الخطأ بصورة أخرى، وهي أن كثيرًا من الناس يسافرون بأهليهم إلى مكة، ثم يعتكف الأب في الحرم، أو يقضي غالب وقته فيه، ويغفل تمامًا عن مراقبة أبنائه وبناته، تاركًا لهم الحبل على الغارب؛ فينتج عن ذلك من المساوئ ما يندى له الجبين. ومن مظاهر ذلك ما رأيناه - ورآه غيرنا - في أطهر بقعة من التبرج، وتضييع الحشمة لدى بعض البنات.

حقًا، إن اصطحاب الأبناء إلى البلد الحرام أمر طيب، فيه تربية لهم، وتمكين لهم من إدراك فضيلة الزمان والمكان، ومضاعفة الحسنات، فإذا كان الأب رجلًا حازمًا يستطيع أن يحافظ على رعيته فحبذا ذاك، وأما إن كان عاجزًا عن رعايتهم ومراقبتهم، وضبط تصرفاتهم؛ فليبقَ في بيته؛ طلبًا للسلامة من الفساد والضرر البالغ، الذي قد يلحق برعيته؛ فيرجع بوزرهم بدلًا من الرجوع بالثواب المضاعف.

ومنها: أن بعضًا من أئمة المساجد، ومن المصلحين: الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، والوعاظ، والموجهين؛ يتركون ثغورهم ويؤمون مكة؛ ليعتمروا ويقضوا العشر الأواخر هناك، ولا ريب أن من كان مرتبطًا بإمامة أو وعظ أو وظيفة يحتاج إليها المسلمون؛ فإن الأوجب في حقه أن يبقى على ثغره؛ فإن في ذلك من تحصيل المصالح المتعدية خيرًا كثيرًا. وإن أبى إلا الذهاب للعمرة؛ فليكن ذلك في مدة وجيزة يومًا أو يومين، يعود بعدها إلى مكانه؛ فإن من غير الحسن أن تخلو المساجد وغيرها من الوعاظ والمرشدين، والأئمة المؤثرين في هذا الزمان الفاضل - وخاصة العشر الأواخر-، فلينتبه الحريصون على الخير لذلك، ولينظروا إلى الأمور بميزان عادل.

الوقفة الحادية والعشرون

الاعتكاف

وهو لزوم المسجد بنية مخصوصة؛ لطاعة الله تعالى. وهو مشروع مستحب باتفاق أهل العلم، قال الإمام أحمد -فيما رواه عنه أبو داود-:"لا أعلم عن أحد من العلماء إلا أنه مسنون"، ونقل عن الإمام مالك أنه قال:"تأملت أمر الاعتكاف، وما ورد فيه، وكيف أن المسلمين تركوه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتركه؛ فرأيت أنهم إنما تركوه لمشقة ذلك عليهم"، وقال -رحمه الله-:"ولم أعلم عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن" [1] ، وما قاله الإمام مالك متعقب، فإنه قد نقل عن جماعات من السلف أنهم كانوا يعتكفون.

وقال الزهري - رحمه الله-:"عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله" [2] .

سرُّ الاعتكاف:

إن في العبادات من الأسرار والحكم الشيء الكثير، ذلك أن المدار في الأعمال على القلب، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" [3] .

وأكثر ما يفسد القلب الملهيات، والشواغل التي تصرفه عن الإقبال على الله؛ من شهوات المطاعم، والمشارب، والمناكح، وفضول الكلام، وفضول النوم، وفضول الصحبة ... ، وغير ذلك من الصوارف التي تفرق أمر القلب، وتفسد جمعيَّته على طاعة الله، فشرع الله تعالى قربات تحمي القلب من غائلة تلك الصوارف، كالصيام - مثلًا-، الصيام الذي يمنع الإنسان من الطعام والشراب والجماع في النهار؛ فينعكس ذلك الامتناع عن فضول هذه الملذات على القلب، فيقوى في سَيْره إلى الله، وينعتق من أغلال الشهوات التي تصرف المرء عن الآخرة إلى الدنيا.

على أن هذا الامتناع عن رغبات النفس في حال الصيام امتناع معتدل، ليس فيه ما في الأديان الأخرى والمذاهب الأرضية الباطلة من الغلو، كما هو حال الذين يصومون شهرًا كاملًا ليله مع نهاره، أو يمنعون أنفسهم من الأكل والشرب والنوم عدة أيام - وربما على مدى شهور-، أو يدفنون أنفسهم في الأرض، أو يفعلون غير ذلك من صور الجور على الجسد، والغلو في منعه من رغباته.

هذا كله ليس في الإسلام، وإنما فيه صيام معتدل تحصل به تربية الجسد، وحماية القلب وتقويته، من دون إفراط أو تجاوز.

(1) انظر المدونة الكبرى (1/ 237) .

(2) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري (4/ 285) وعزاه لابن المنذر.

(3) أخرجه البخاري (52) ، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت