"النساء شقائق الرجال" [1] ، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما ثبت للرجال ثبت للنساء، إلا بدليل، فيجب عليهن الصيام، ويستحب لهن الإكثار من تلاوة كتاب الله، والإنفاق في سبيل الله، وقيام الليل، والاجتهاد في الدعاء، وغير ذلك من القربات والطاعات.
بيد أن ثمة أمورًا خاصة بالنساء في رمضان، لعلنا نبين أهمها في هذه الوقفة، ومن ذلك:
أولًا: أن الحائض والنفساء لا تصلي ولا تصوم، ولكنها تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، كما ثبت من حديث عائشة -رضي الله عنها- الذي سبق إيراده، وهو قولها:"كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" [2] . ومن الأمور التي قد تخفى على بعض النساء في موضوع الحيض ما يتعلق باستخدام بعضهن لحبوب منع العادة في رمضان، وهذه الحبوب- وإن كنت لا أنصح باستخدامها؛ لأنها تضر في كثير من الحالات- يستعملها بعضهن؛ رغبة في الصلاة والصيام مع المسلمين، أو لأنها تريد أن تعتمر في رمضان، ودورتها تضطرب في رمضان، فتأتيها يومًا، وتذهب يومًا، فتسعى باستعمالها لهذه الأسباب إلى تنظيم العادة، والسلامة من الحرج.
فربما يظن بعضهن أنه يجب عليها قضاء الأيام التي توقفت فيها عنها العادة بسبب هذه الحبوب، ويسأل كثير منهن عن ذلك. والصواب أنه لا قضاء عليها في هذه الحال.
ثانيًا: كثير من النساء يرتدن المساجد من أجل صلاة التراويح، وهذا أمر لا بأس به، وإن كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل، لكن على كل حال إن جاءت إلى المسجد؛ لأنها لا تجيد التلاوة، أو ليكون وجود الجماعة أنشط لها؛ فلا بأس بذلك، لكن عليها إذا خرجت إلى المسجد أن تخرج إليه بصفة شرعية، فلا يجوز لها أن تخرج وهي متعطرة، أو متجملة.
ولا يجوز أن يخضعن بالقول؛ درءًا للفتنة، ولا أن ترفع صوتها في المسجد؛ فإن ذلك أمر مذموم، وفيه إيذاء للمصلين.
كما يجب عليها إذا خرجت إلى المسجد ألا تغفل عن صبيانها، فقد يتعرضون إذا غفلت عنهم للخطر، من دعس سيارة، أو اختطاف، أوغير ذلك. وربما يكون بين الصبيان في أثناء لعبهم شباب أكبر منهم سنًا، فقد يفسدهم بعض الخبثاء من أولئك الكبار، إما بإيقاعهم في التدخين، أو في المخدرات، أو الفاحشة، أو غير ذلك من المفاسد.
فمن الخطأ أن تشتغل الأم بنافلة عن فريضة، فإن رعاية أطفالها، والمحافظة عليهم في أخلاقهم وأرواحهم؛ واجبة عليها وعلى أبيهم كذلك.
ثالثًا: من الأخطاء التي ينبغي تحذير المرأة منها دائمًا، وفي رمضان خاصة: الغِيْبة، فإن الغيبة ذنب عظيم، وإثم كبير، بل لقد ذكر القرطبي أن الإجماع قائم على أن الغيبة من كبائر الذنوب، وقد قال الله تعالى: (أَيحُِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهُتُمُوهُ) [الحجرات: 12] .
رابعًا: أن فرصة وجود المرأة في المسجد حَرِيّةٌ بأن يستثمرها الدعاة والمصلحون في إثارة موضوعات تخص المرأة؛ من أحكام، أو آداب، أو توجيهات، أو مواعظ، فإن النساء قلَّما تصل إليهن المواعظ، وخروجهن في رمضان أمر معروف، فينبغى استغلاله بحيث يكون الحديث موجهًا إليهن، ولو في بعض الأيام على الأقل.
الوقفة العشرون
العمرة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" [3] .
وهذا الفضل العظيم للعمرة عامٌّ في كل حين، وأما في رمضان فإن فضلها يتضاعف؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من حجة الوداع قال لامرأة من الأنصار اسمها أم سنان:"ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: أبو فلان -زوجها- له ناضحان [4] ، حج على أحدهما، والأخر نسقي عليه. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرة فيه تعدل حجة، أو قال: حجة معي" [5] .
ويا له من فوز أن تكون كمن حج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف معه بعرفة، وبات معه بمزدلفة، وأفاض بصحبته إلى منى، وطاف بجواره وسعى -كما هو المفهوم من ظاهر هذا الحديث-.
وإن مما يثلج الصدر أن نرى إقبال المسلمين على العمرة في هذا الشهر الفاضل، لكن هناك أخطاء يقع فيها بعض الناس في هذا الباب، فلا مناص من التنبيه إليها، وهي:
(1) أخرجه أحمد (25663) ، وأبوداود (237) ، والترمذي (113) ، وابن ماجه (612) ، وأبويعلى (4694) من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث أصله في صحيح مسلم (311) بدون زيادة"النساء شقائق الرجال"، وقد صحح هذه الزيادة الألباني في صحيح الجامع الصغير (1983) .
(2) أخرجه البخاري (335) ، ومسلم (335) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3) أخرجه البخاري (1773) ، ومسلم (1349) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4) الناضح: البعير، الذي يستقى عليه الماء. لسان العرب (2/ 619) .
(5) أخرجه البخاري (1782) ، ومسلم (1256) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.