فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 41

ومن الموانع ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما جاء في حديثٍ رُوِيَ من عدة طرق أن الله -تعالى- يقول:"يا أيها الناس، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أستجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم" [1] .

فإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنفسهم، ولأولادهم، ولأهلهم، ولجيرانهم، ولأقاربهم، ولعامة المجتمع؛ عاقبهم الله -جل وعلا- بحرمانهم من إجابة الدعاء.

الوقفة السادسة عشرة

مع الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان

حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها عبر ودروس، ومثال حي للقدوة الحسنى، في رمضان وغيره من شهور السنة. فلنلمح إلى شيء من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان باختصار.

-كان النبي صلى الله عليه وسلم أول الأمر يصوم يوم عاشوراء قبل أن يفرض عليه صيام رمضان، وذلك حين قدم المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما هذا اليوم الذي تصومونه"؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّق فرعون وقومه؛ فصامه موسى شكرًا؛ فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فنحن أحق وأَوْلى بموسى منكم". فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه [2] .

وقال جماعة من العلماء: إنه كان واجبًا. وفي الصحيحين من حديث الربيع بنت معوذ - رضي الله عنها- قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة:"من كان أصبح صائمًا؛ فليتم صومه. ومن كان أصبح مفطرًا؛ فليتم بقية يومه"أي يمسك بقية يومه.

فكنا بعد ذلك نصومه، ونُصَوِّمُ صبياننا الصغار منهم -إن شاء الله-

ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن [3] ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك، حتى يكون عند الإفطار [4] .

-فلما فُرِضَ رمضان كان صوم عاشوراء سُنَّة؛ من شاء صامه، ومن شاء تركه [5] .

وأول ما فرض رمضان كان على التخيير: إن شاء المسلم صام، وإن شاء أفطر وأطعم، حتى أنزلت: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] ؛ فألزم الناس بالصيام [6] .

ولكن كان غير جائز لمن نام من الليل أن يأكل إذا استيقظ، فإذا أفطر عند المغرب ثم نام بعد العشاء، فليس له أن يأكل لو استيقظ ليلًا.

روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر؛ لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا! ولكن أَنطلِقُ فأطلبُ لك. وكان يومَهُ يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك. فلما انتصف النهار غُشِي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم [7] ، فنزلت هذه الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة:187] ؛ ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُم الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْودِ) [البقرة: 187] .

-وصام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة رمضانات، أولها في السنة الثانية، التي كان فرضه فيها.

وكان صلى الله عليه وسلم يكثر في هذا الشهر من العبادة، حتى إنه ربما واصل الصيام يومين أو ثلاثة؛ تفرغًا للعبادة. ولما واصل أصحابه نهاهم، وقال:"إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني" [8] . وقد تكلم الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) عن هذا الحديث بالتفصيل، وبين معنى قوله يطعمني ربي ويسقيني، فليرجع إليه من شاء [9] .

(1) أخرجه أحمد (24727) وابن ماجه (4004) ، وابن حبان (290) ، والبيهقي (10/ 93) من حديث عائشة رضي الله عنها. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 266) وقال: فيه عاصم بن عمر أحد المجاهيل. اهـ وقال العراقي في تخريج الإحياء (2/ 308) وفي إسناده لين وله شواهد من حديث أبي هريرة عند البزار والطبراني ومن حديث ابن عمر عند الطبراني في الأوسط ومن حديث حذيفة عند الترمذي والبيهقي. اهـ وقد حسنه الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه (3235) .

(2) رواه البخاري (2004) ، ومسلم (1130) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(3) العهن: الصوف المصبوغ ألوانًا، وقيل: الصوف مطلقًا. لسان العرب (13/ 297) ، المعجم الوسيط (2/ 658) .

(4) أخرجه البخاري (1960) ، ومسلم (1136) من حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها.

(5) أخرجه البخاري (3831) ، ومسلم (1125) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(6) أخرجه البخاري (4507) ومسلم (1145) من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

(7) أخرجه البخاري (1915) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.

(8) أخرجه البخاري (1956) ، ومسلم (1103) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(9) انظر زاد المعاد (2/ 32) وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت