الثالث: حال الداعي، كأن يكون مسافرًا؛ فإن المسافر مستجاب الدعوة، أو أبًا يدعو لولده، أو صائمًا، أو مقاتلًا؛ فإن الدعاء عند التحام الصفين مستجاب، أو مظلومًا؛ فإن دعوة المظلوم لا ترد، بل يرفعها الله تعالى فوق السحاب ويقول:"وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين" [1] ، أو يكون الداعي مضطرًا، وحقيقة الاضطرار: أن ينقطع العبد من جميع الأسباب، ويتوجه بكل رجائه إلى الله وحده، ويفوض أمره إليه تفويضًا تامًا، قال الله تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل: 62] .
فينبغي أن يكون الداعي على حال من الانكسار والاضطرار، والإخبات والانقطاع من الأمل في غير الله، وألا يكون دعاؤه على سبيل التجربة غير الواثقة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ" [2] . وقد جاء هذا الحديث بإسنادين يقوي أحدهما الآخر فهو حديث حسن.
الرابع: صفة الدعاء، فيحرص الداعي على الالتزام بآداب الدعاء من وضوء، واستقبال للقبلة، ورفع لليدين، وتكرير للدعاء ثلاثًا، واختيار لجوامع الدعاء، وإطابة للمطعم، وتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وألا يدعو بإثم ولا قطيعة رحم، وغير ذلك من الآداب النبوية.
وفي هذا المقام أود أن أنبه إلى خطأ يقع فيه كثير من الناس عندما يدعون، وهو الاعتداء في الدعاء؛ ومنه:
أولًا: أن يفصَّل الداعي في دعائه تفصيلًا لا لزوم له، كما يقول بعض الناس اليوم في دعائهم:"اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، وأخوالنا وخالاتنا، وأعمامنا وعماتنا".. ويمضي يعدد أقاربه، ثم ينتقل إلى تفصيل الدعاء لجيرانه، ثم لزملائه .. وهكذا يستغرق وقتًا ليس باليسير في هذه التفاصيل، وكان يُغنِيه أن يقول: اللهم اغفر لنا، ولأقاربنا، ولأحبابنا .. بهذا الإجمال. ورحمة الله واسعة.
ثانيًا: أن يدعو الداعي اللهَ بأسماء لم ترد عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كقول بعض الداعين: يا غفران، يا سلطان، فإنهما ليسا من أسماء الله - جل وعلا-.
ثالثًا: المبالغة في رفع الصوت بالدعاء، وقد انتشر ذلك في زماننا بخاصة؛ لوجود مكبرات الصوت، فربما سمعت الذي يدعو في شرق المدينة وأنت في غربها، وهذا لا يليق، فإن كان الداعي إمامًا يدعو والناس يؤمَّنون وراءه؛ فليكن رفعه لصوته بقدر ما يسمعه المصلون، ولا داعي للتزيد في رفع الصوت؛ فإنه اعتداء وباب إلى الرياء.
وإن كان الداعي وحده يدعو لنفسه فليكن دعاؤه سرًا، كما قال تعالى - حاكيًا عن زكريا: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيَّا) [مريم: 2، 3] ، والعبادة كلما كانت سرًّا كانت أقرب إلى الصدق والقبول.
الخامس: زوال المانع، فإن هناك أمورًا تمنع من إجابة الدعاء، منها أكل الحرام: سواء عن طريق الربا، أو الغش، أو تنفيق السلعة بالحلف الكاذب، أو أكل مال اليتيم، أو غير ذلك، ففي صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا ربَّ يا ربَّ. ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذَّي بالحرام، فأنىَّ يستجاب لذلك [3] ؟!
(1) أخرجه أحمد (9450) ، الترمذي (3598) ، وابن ماجه (1752) ، وابن خزيمة (1901) ، وابن حبان (874) من حديث أبي مُدلة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن. قال المناوي في فيض القدير (6339) : فيه مقال طويل. اهـ، وأخرجه الطبراني في الكبير (3718) من حديث خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 152) وقال: فيه من لم أعرفه. اهـ، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (3374) : لا بأس بإسناده في المتابعات. اهـ، وقد صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (117) .
(2) أخرجه الترمذي (3479) ، والحاكم (1817) ، والطبراني في الأوسط (5109) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. اهـ، وقال الحاكم: هذا حديث مستقيم الإسناد تفرد به صالح المري وهو أحد زهاد أهل البصرة. اهـ وأخرجه أحمد (6617) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 148) وقال: إسناده حسن.
(3) أخرجه مسلم (1015) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.