الثاني: الفقراء والمحتاجون، وبخاصة الشباب وطلاب العلم، ممن قد يكون فقيرًا، أو معسرًا، أو يريد الزواج ولا يجد ما يكفي لتحقيقه، وفي الزواج من الإعفاف، وإحصان الفرج، والإعانة على طلب العلم، وإكمال شطر الدين، وسائر المصالح ما لا يخفى.
الثالث: جمعيات البر الخيرية الموثوقة؛ لأن هذه الجمعيات تتحرى وتبحث عن المحتاجين، وتفتح ملفات للأسر الفقيرة، وتجري لها رواتب شهرية، فلا بأس أن يوكلهم المرء على إنفاق صدقته على المستحقين ما دام القائمون عليها من الموثوق بدينهم وأماناتهم.
إن إعانة الفقراء والمحتاجين والضعفاء، والبحث عنهم في البيوت القديمة والأحياء الشعبية، وأحيانًا في الأكواخ والعشش؛ من أجلِّ الأعمال وأفضلها عند الله، وأعظمها في القربى والزلفى لديه.
وإنه لعمل كبير أن يقوم تاجر أو محسن بتفقد أهل حارته، والبحث عن المحتاجين منهم، ومدهم بما يستطيع دون منّ ولا أذى، ولا رياء ولا سمعة.
ثم إذا أعطى الغني محتاجًا فليغنه بعطائه، يعطيه ما يكفيه وولده وأسرته لفترة كافية، أو يستطيع أن يؤمن به حاجاته الضرورية التي لا غنى للإنسان عنها. {وَمَا تُقَدِّمُوا لأنفُسِكُم مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيرًا وَأعظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل: 20] .
الوقفة الرابعة عشرة
رمضان شهر التوبة
في رمضان يعود العباد إلى ربهم تعالى، ويقلعون عن الآثام؛ وذلك لسببين:
أولهما: جود الله تعالى على عباده، وصفحه وعفوه عنهم في هذا الشهر الكريم، حتى إنه صح أن لله تعالى في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار [1] .
ثانيهما: أن الشياطين تصفد وتسلسل إذا جاء رمضان، وتغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنة [2] ؛ فيكون العباد قريبين من ربهم.
فرمضان فرصة ثمينة ليتوب فيها العبد، وإن لم يتب فيه فليت شعري متى يتوب؟!
وللتوبة شروط ستة لابد من توافرها؛ لكي تكون التوبة صحيحة صادقة، وهي بإيجاز:
أولًا: الإخلاص لله تعالى، بحيث تكون لوجه الله، لا يشوبها مقصد دنيوي.
ثانيًا: أن تكون في زمن الإمكان، أي قبل أن تطلع الشمس من مغربها، وقبل أن تبلغ الروح الحلقوم ويغرغر؛ فإن الله تعالى يقبل توبة العبد مالم يغرغر.
ثالثًا: الإقلاع عن الذنب، فلا يصح أن يدعي العبد التوبة وهو مقيم على معصيته.
رابعًا: الندم على ما مضى، وكم من تائب أكل الندم قلبه أكلًا؛ ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الندم توبة" [3] .
خامسًا: العزم على عدم العود إلى الذنب.
سادسًا: إن كان الذنب يتعلق بحقوق المخلوقين وجب رد حقوقهم إليهم، والتحلل منهم، من مال، أو عرض، أو غيرهما
الوقفة الخامسة عشرة
رمضان شهر الدعاء
الله تعالى قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وذلك في كل حين، وبخاصة في رمضان، كما تقدم معنا أن لكل مسلم دعوة مستجابة في رمضان، فينبغي للمسلم الاجتهاد في الدعاء، مع تحري أسباب الإجابة.
ومجمل تلك الأسباب خمسة، هي:
الأول: اختيار الزمان الفاضل، وذلك في وقت السحر، وفي أدبار الصلوات المكتوبات، وما بين الأذان والإقامة، وفي الساعة الأخيرة من يوم الجمعة، وعند دخول الإمام إلى أن تنقضي صلاة الجمعة، وعند إفطار الصائم.
الثاني: اختيار المكان الفاضل، كالمساجد، ومكة، والمدينة، وغيرها.
(1) أخرجه أحمد (9213) ، والدارمي (691) الترمذى (682) ، والنسائي (2104) ، وابن ماجه (1642) من حديث أبي هريرة رضي اللع عنه، وأصله في الصحيحين.
(2) أخرجه البخاري (1898) ، ومسلم (1079) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) أخرجه أحمد (3558) ، وابن ماجه (4252) ، وأبو يعلى (5081) ، وابن حبان (612) ، والحاكم (7612) ، والبيهقي (10/ 154) من حديث عبد الله بن مسعود رضي اللع عنه، قال البوصيري في مصباح الزجاجة (1251) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. اهـ، وللحديث طرق عن غير واحد من الصحابة رضوان الله عليهم.