فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 41

والصدقة دليل على صدق إيمان العبد؛ ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم -في حديث الحارث الأشعري الذي رواه مسلم-:"والصدقة برهان" [1] ؛ لأن النفس مجبولة على حب المال، فإذا تغلب العبد على نفسه وأنفق المال في سبيل الله؛ كان ذلك برهانًا على أنه يقدم مرضاة الله ومحبوباته على محبوبات نفسه. (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9، والتغابن:160] .

والأحاديث الواردة في الصدقة كثيرة جدًا.

لكن ثمة أمرًا ينبغي أن يحرص المتصدق عليه، وهو أن تكون صدقته سرًّا بقدر الإمكان، فقد جاء في الحديث الذي رواه الطبراني بسند حسن -كما يقول الدمياطي في (المتجر الرابح) - عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر" [2] .

وإن من الخطأ أن يتصدق الرجل بمئة ألف ريال أو خمس مئة ألف ريال، أو مليون ريال؛ من أجل أن يكتب اسمه في الجريدة، أو يكتب في دفتر التبرعات، أو يذكر عنه أنه المحسن الكبير فلان.

اللهم إلا أن يكون قصده من ذلك حث الناس، وتشجيعهم على الصدقة والبذل؛ فإن هذا مقصد حسن. أما الذي يقصد الرياء والسمعة فصدقته خسارة في الدنيا، ووبال في الآخرة -والعياذ بالله-.

إذن، فالحاصل أن فضل الصدقة عظيم، وثوابها عند الله جزيل، فينبغي للمؤمن أن يحرص على الإكثار منها دائمًا، وفي رمضان خاصةً ينبغي أن يضاعف العبد إنفاقه في وجوه الخير؛ اقتداءً بنبي الهدى صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.

-وإنما كان جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان خاصة مضاعفًا؛ لأسباب ثلاثة:

الأول: لمناسبة رمضان، فإنه شهر تضاعف فيه الحسنات، وترفع الدرجات، فيتقرب العباد إلى مولاهم بكثرة الأعمال الصالحات.

الثاني: لكثرة قراءته صلى الله عليه وسلم للقرآن في رمضان، والقرآن فيه آيات كثيرة تحثُّ على الإنفاق في سبيل الله، والتقلل من الدنيا، والزهد فيها، والإقبال على الآخرة، فيكون في ذلك تحريك لقلب القارئ نحو الإنفاق في سبيل الله تعالى. وحريٌّ بكل من يقرأ القرآن أن يكثر من الصدقة في سبيل الله.

الثالث: لأنه صلى الله عليه وسلم كان يلقى جبريل في كل ليلة من رمضان، ولقاؤه إياه هو من مجالسة الصالحين، ومجالسة الصالحين تزيد في الإيمان، وتحث الإنسان على الطاعات، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصدقة في رمضان.

-والحديث عن جوده صلى الله عليه وسلم يطول، فهو -حقًا- أجود الناس، وأنواع جوده لا تنحصر؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلًا إِلاّ أَلاّ يجد، حتى إنه ربما سأله رجل ثوبه الذي عليه؛ فيدخل بيته ويخرج وقد خلع الثوب، فيعطيه السائل [3] .

ويعطي صلى الله عليه وسلم عطاءَ من لا يخشى الفقر، فقد حدث أن أعطى غنمًا بين جبلين [4] .

وربما اشترى الشيء، ودفع ثمنه، ثم رده على بائعه وأبقى عنده الثمن [5] ، وربما اشترى فأعطى الثمن وزيادة.

وربما اقترض شيئًا فرده بأحسن منه. وكان يقبل الهدية ويثيب عليها أكثر منها [6] .

وكان - عليه صلوات الله وسلامه - يفرح بأن يعطي أكثر من فرح الآخذ بما يأخذ، حتى إنه ليصدق عليه - وحده - قول الأول:

تراه إذا ما جئتَه متهلِّلًا كأنك تُعطيه الذي أنتَ سائله

هذا غيض من فيض من فنون جوده صلى الله عليه وسلم، التي تتأبى على الحصر والإحصاء.

والكلام عن الصدقة والإنفاق يجرنا إلى إلقاء الأضواء على مصارف مهمة لها:

أحدها: المجاهدون في سبيل الله، قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعَامِلينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ والْغَارِمِينَ وَفِي سَبَيلِ اللِه) [التوبة: 60] .

فالمجاهدون في سبيل الله من الأصناف الثمانية الذين تدفع لهم الزكاة.

ولا ريب أن هذا المصرف من أعظم مصارف الزكاة في هذا العصر خاصة.

(1) أخرجه مسلم (223) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

(2) أخرجه الطبراني في الكبير (8014) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 115) وقال: إسناده حسن. أخرجه البخاري (2093) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.

(3) أخرجه مسلم (2312) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(4) كما في قصة جمل جابر المشهورة التي أخرجها البخاري (2861) ، ومسلم (715) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

(5) أخرجه البخاري (2585) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(6) البيت لزهير بن أبي سلمى خزانة الأدب (1/ 423) ، وبعضهم عزاه لأسماء بن خارجة في مدح عبد الله بن الزبير لما أطلق سراح أم الحكم. انظر الأغاني (14/ 221) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت