النفقة - عمومًا- من أسباب القرب إلى الله تعالى ودخول الجنة، وهي لا تُنْقِص مال المنفق، بل تزيده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:"ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه" [1] .
وإنها لفرصة ثمينة أن ينال العبد الأجر العظيم، بصدقة لا تنقص ماله، بل تزيده.
- وفي شأن الصدقة والإنفاق وردت أحاديث صحيحة كثيرة، يتبين بها أنها من أعظم أبواب دخول الجنة، وإليك شيئًا منها:
عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ثلاثة أُقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر- أو كلمة نحوها-. وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا؛ فهذا بأفضل المنازل."
وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته؛ فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا؛ فهذا بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته؛ فوِزْرهما سواء" [2] ."
وفي ذلك دلالة على أن نية المؤمن الصادقة أن ينفق في سبيل الله، أو يعمل أي عمل من الصالحات؛ تبلغه منازل العاملين، ولكن بشرط أن تكون نية صادقة، لا أمنية كاذبة، كما هو حال بعض الأشقياء الذين يتمنون أن يرزقهم الله، ولو رزقهم لكفروا: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَاتنَا مِنْ فَضْلِهِِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِيَن، فَلَمَّا ءَاتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَهُمْ مُعْرَضُونَ، فَأعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوِبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ) [التوبة: 75 - 77] .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان. فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة [3] ، فإذا شرجة [4] من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله. فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته [5] فقال له: يا عبدالله، ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة. فقال له: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان -لاسمك-، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأردّ فيها ثلثه" [6] .
هكذا بارك الله لهذا الرجل، ووسع عليه رزقه، وكفاه مؤونة زرعه، حتى وكل ملكًا بالسحابة يقول لها: اسقي حديقة فلان .. اسقي حديقة فلان. يخصها دون غيرها.
وفي الحديث المتفق عليه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه. فاتقوا النار ولو بشق تمرة" [7] .
وفي الحديث الآخر المتفق عليه -أيضًا- أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة فقال:"أيها الناس تصدقوا". فمر على النساء فقال:"يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار" [8] .
فبين صلى الله عليه وسلم أن الصدقة من أعظم أسباب الوقاية من النار، ولو كانت باليسير.
(1) أخرجه مسلم (2588) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) أخرجه أحمد (2325) ، الترمذي (2325) ، وابن ماجه (4228) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(3) حرة: أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت. المعجم الوسيط (1/ 172) .
(4) شرجة: مسيل الماء من الهضاب ونحوها إلى السهل والجمع (شِرَاج) . المعجم الوسيط (1/ 496) .
(5) المِسْحَاة: المِجْرَفة من الحديد، وهي من السحو وهو: الكشف والإزالة. لسان العرب (2/ 598) .
(6) أخرجه مسلم (2984) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(7) أخرجه البخاري (7512) ، ومسلم (1016) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
(8) البخاري (1462) ، ومسلم (80) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.