فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 41

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بأصحابه في رمضان، كما في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها-، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا؛ فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهّد، ثم قال:"أما بعد، فإنه لم يخفَ عليَّ مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها" [1] .

وروى أهل السنن بسند صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه قال:"صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، فلم يقم بنا شيئًا منه، حتى بقي سبع ليال، فقام بنا ليلة السابعة حتى مضى نحو من ثلث الليل، ثم كانت الليلة السادسة التي تليها، فلم يقمها، حتى كانت الخامسة التي تليها، ثم قام بنا حتى مضى نحو من شطر الليل. فقلت: يا رسول الله لو نفلتنا [2] بقية ليلتنا هذه. فقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ فإنه يعدل قيام ليلة، ثم كانت الرابعة التي تليها، فلم يقمها، حتى كانت الثالثة التي تليها، قال: فجمع نساءه وأهله واجتمع الناس، قال: فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قيل: وما الفلاح؟ قال: السحور. قال: ثم لم يقم بنا شيئًا من بقية الشهر" [3] .

وحول قيام رمضان لنا عدة تنبيهات:

- التنبيه الأول: حول عدد صلاة التراويح:

فالناس مختلفون اختلافًا كبيرًا في عددها من إحدى عشرة ركعة إلى تسع وأربعين ركعة، وما بين هذين العددين، والذي يعنينا في هذا المقام أمور، منها:

أولًا: كم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أصح ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم ما رواه الشيخان عن عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت:"ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" [4] .

لكنه صلى الله عليه وسلم كان يطيلها ويحسنها، كما ذكرت عائشة - رضي الله عنها - في هذا الحديث نفسه.

ثانيًا: ما الذي فعله الصحابة؟

لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم زال الخوف أن تفرض صلاة التراويح؛ فأمر عمر رضي الله عنه المسلمين أن يجتمعوا على الصلاة، حيث دخل المسجد فوجدهم أوزاعًا [5] : يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرجل والرجلان والرهط .. ؛ فرأى عمر أن يجمعهم على إمام واحد، فأمر أبي بن كعب وتميم بن أوس الداري رضي الله عنهما أن يصليا بالناس. فكم- يا ترى- صليا بالناس؟

ورد في ذلك روايتان كلتاهما صحيحة، وهما من طريق السائب بن يزيد.

الرواية الأولى: أن عمر رضي الله عنه أمرهما أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة.

والرواية الثانية: أن تميم بن أوس الداري وأبي بن كعب -رضي الله عنهما - صليا بالناس إحدى وعشرين، وفي رواية ثلاثًا وعشرين ركعة.

أما رواية إحدى عشرة فهي في موطأ مالك [6] ، وسندها صحيح.

وأما رواية إحدى وعشرين فهي في مصنف عبد الرزاق [7] ، وسندها صحيح أيضًا.

وأما رواية ثلاث وعشرين فهي في سنن البيهقي [8] ، وسندها صحيح كذلك.

فما الموقف من ذلك؟

بعض أهل العلم حكموا على رواية إحدى وعشرين وثلاث وعشرين بالشذوذ.

ولكن لا داعي للحكم بالشذوذ ما دام الجمع ممكنًا، فنجمع بينها بما جمع به الحافظ ابن حجر - رحمه الله- حيث قال:"إنه يحمل على التنوع والتعدد بحسب الأحوال وحاجة الناس، فأحيانًا كانوا يصلون إحدى عشرة، وأحيانًا إحدى وعشرين، وأحيانًا ثلاثا وعشرين، بحسب نشاط الناس وقوتهم. فإن صلوا إحدى عشرة أطالوا حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام".

وإن صلوا ثلاثًا وعشرين خففوها، بحيث لا يشق ذلك على الناس. وهذا جمع حسن.

(1) البخاري (924) ، ومسلم (761) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2) لو نفلتنا: لو أعطيتنا قيام بقية الليل وزدتنا إياه؛ كان أحسن.

(3) أخرجه الدارمي (1777) ، الترمذي (806) ، وأبو داود (1375) ، والنسائي (1364) ، وابن ماجه (1327) ، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(4) البخاري (2013) ، ومسلم (738) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(5) أوزاع: متفرقون غير مجتمعين على إمام واحد. لسان العرب (8/ 391) ، النهاية (5/ 180) .

(6) أخرجه مالك في الموطأ (248) ، والفريابي في كتاب الصيام (174) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 293) والبيهقي في السنن الكبرى (4392) .

(7) مصنف عبد الرزاق (7730) من طريق محمد بن يوسف الكندي عن السائب بن يزيد.

(8) سنن البيهقي (3270) من حديث مالك عن يزيد بن رومان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت