فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 41

ثالثًا: هذا الدعاء - الذي يقال عند ختم القرآن -إن كان في صلاة فينبغي أن يكون في صلاة الوِتْر، سواء في التراويح أو في القيام؛ وذلك لأن الوتر هو الموضع الذي ثبت شرعًا أنه مكان الدعاء، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقنت في وتره، وعلَّم الحسن -كما في سنن الترمذي بسند حسن- أن يقول في الوتر:"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذِلُّ من واليت، تباركت ربنا وتعاليت" [1] .

إذن، فالسنة أن يكون الدعاء في الوتر، سواء كان ذلك قبل الركوع أو بعده، فكلاهما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان أكثر دعائه بعد الركوع [2] .

رابعًا: هذا الدعاء لا مانع من إطالته بمناسبة ختم القرآن، وإضافة أدعية تتعلق بالقرآن الكريم، مثل ما يقول بعض الأئمة: اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم. اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصَّتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل القرآن لنا شفيعًا ... إلى غير ذلك من هذه الأدعية، وهذه ملاءمة جيدة.

أما الدعاء الشائع عند الناس، الذي يبدأ بقولهم:"صدق الله العظيم الذي لم يزل عليمًا قديرًا، صدق الله ومن أصدق من الله قيلًا، صدق الله العظيم، وبلَّغ رسولُه الكريم، ونحن على ما قال ربنا من الشاهدين، ولما أوجب وأنزل غير جاحدين .."إلخ؛ فهذا لا أصل له، والأولى تجنُّبه، وبخاصة أنه انتشر عند الناس، حتى ظنه بعضهم من السنن، فلو تركه أحد لأنكروا عليه، وقالوا: خالفْتَ السنة.

ولا ريب أن مما يدخل في المنع أن بعض الناس يزيد في دعاء ختم القرآن مواعظ تتعلق بذكر القبر، وما يقع فيه من عذاب، والصراط، والبعث، والجزاء، والحساب، والجنة والنار وما يقع فيهما.

ولا شك أن هذا ليس محله؛ بل هذا من الاعتداء المنهي عنه، وربما أوصل بعضهم إلى بطلان صلاته؛ لأن هناك من يحول الدعاء إلى موعظة وتذكير.

إذن، فالتفصيل في مسألة الختمة أمر جيد، وهو قول وسط بين المانعين بإطلاق أو المجيزين بإطلاق.

على أن الأمر لا ينبغي التشديد فيه- فيما يبدو-، فحتى الذين يقرؤون دعاء الختمة في غير الوتر- أي يقرؤونه في صلاة ثنائية من التراويح- يقولون:"إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الفجر" [3] ، كما ثبت ذلك عنه مرات، بل ثبت عنه القنوت في غير صلاة الفجر: في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء [4] ، في أحاديث عديدة، فيقول هؤلاء: هذا من هذا. وإن كانت العبادات ليس فيها مجال للقياس، وإنما مبناها على النص والتوقيف.

الوقفة الحادية عشرة

مع القيام

كما أن رمضان شهر الصيام، فهو كذلك شهر القيام، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (يا أيُّها المُزَّمِلُ قُمْ الَّيْلَ إلاّ قَلِيلًا نِصْفَهُ أوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا وَرَتّلِ القُرْءَان تَرْتِيلًا إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزمل: 1 - 5] .

ويقول سبحانه في صفة عباده المحسنين: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهُجَعُونَ وبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات: 17، 18] .

وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" [5] .

وفي سنن الترمذي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفَلَ [6] الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما اسْتَبَنْتُ وجهَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال:"يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" [7] ، إذن، ففضل قيام الليل - عمومًا- فضل عظيم، بدلالة تلك النصوص.

وفي قيام رمضان خاصة يقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة:"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه" [8] .

(1) أخرجه أحمد (1178) ، والدارمي (1591) ،وأبوداود (1425) ، والترمذي (464) ، والنسائي (1745) ، وابن ماجه (1178) من حديث الحسن بن علي رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن.

(2) انظر البخاري (1001) ، ومسلم (677) .

(3) انظر البخاري (1001) ، ومسلم (677) .

(4) انظر البخاري (797) ، ومسلم (392) .

(5) مسلم (1163) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(6) انجفل: أسرع. المعجم الوسيط (1/ 132) .

(7) أخرجه الترمذي (2485) من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال الترمذي: حديث صحيح.

(8) البخاري (37) ، ومسلم (760) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت