الملحوظة الثانية: أن هناك عادات شكلية في قراءة القرآن في بعض البلاد والبيئات، ففي بعض البيئات المصرية - مثلًا- عادة تسمى (المساهر) وكانت موجودة في الماضي بخاصة، ولعلها اندثرت، وهي أن يجلس الناس في شهر رمضان خاصة بعد صلاة التراويح إلى السحور في بيت أحد ذوي اليسار والغنى، فيستأجر لهم قارئًا يقرأ عليهم من كتاب الله، ويرفع الحاضرون أصواتهم بعد قراءة القارئ لكل آية قائلين: الله .. الله، أو: الله يكرمك، ربنا يكرمك.
ولا شك أن هذا العمل مخالف لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم من عدة جهات، منها:
أولًا: أن قراءة القرآن بالأجر لا أصل لها، وهذا الذي يقرأ القرآن بالأجرة المادية ليس له ثواب عند الله تعالى، مادام قصدُه هذه الأجرة الدنيوية.
ثانيًا: أن جمع الناس بهذه الطريقة لا تتم به الفائدة، وَلأَنْ يقرأ الإنسان وحده؛ ليتدبر ويتمعن ويخشع خير من اجتماع على زعق [1] وضجيج وأصوات، ولقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الذي يذكر الله خاليًا فيبكي، حيث قال صلى الله عليه وسلم:"ورجل ذكر الله خاليًا؛ ففاضت عيناه" [2] .
ثالثًا: أن رفع الأصوات عند قراءة القرآن ليس من سمت المؤمنين، بل هو منكر لا يجوز؛ لأن فيه سوء أدب مع كلام الله تعالى، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، ولا أصحابه - رضوان الله عليهم-، وإنما كان هديه صلى الله عليه وسلم حسن التأدب مع القرآن، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ عليَّ. قال: قلت: أقرأُ عليك، وعليك أُنزِلَ؟ قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري. قال: فقرأت (النساء) ، حتى إذا بلغت: (فَكَيْفَ إذَا جئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: 41] . قال لي: كُفّ أو أمْسِكْ. فرأيت عينيه تذرفان" [3] .
هذا هو الخشوع، والتأثر والاعتبار، وهذا هو الأدب الواجب مع القرآن، فصلى الله وسلم على معلم الناس الخير.
الملحوظة الثالثة: حول ما يسمى (الختمة) ، والمراد بها: قراءة القرآن في صلاة التراويح والقيام، ثم الدعاء المعروف عند إتمام القرآن الكريم.
والناس في هذه القضية طرفان ووسط:
فمنهم من يقول: إن هذه بدعة، ولا يفصَّل.
ومنهم من يقول: إنها سنة، ويعمل بها بدون تفصيل أيضًا.
والذي أراه صوابًا أنه لابد من التفصيل في ذلك، كما يلي:
أولًا: إتمام القرآن الكريم - في صلاة التراويح والقيام - مشروع كما سبق-.
ثانيًا: الدعاء عند ختم القرآن الكريم - أيضًا- مشروع، فقد ثبت من حديث جابر رضي الله عنه عند أحمد وأبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اقرؤا القرآن، وابتغوا به الله من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القِدْح [4] ، يتعجلونه ولا يتأجلونه" [5] أي يتعجلوه أجره.
ومن حديث عمران بن حصين رضي الله عنه عند أحمد والطبراني:"من قرأ القرآن فليسأل الله به ..." [6] .
وفي سنن الدارمي بسند جيد أن أنس بن مالك رضي الله عنه كان إذا ختم القرآن الكريم جمع أهل بيته فدعا بهم [7] .
إذن، فالدعاء عند ختم القرآن مستحب.
(1) الزَّعْقَ: الصياح. المعجم الوسيط (1/ 408) .
(2) البخاري (660) ، ومسلم (1031) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) البخاري (4582) ، ومسلم (800) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(4) إقامة القِدْح: القِدْح هو السهم قبل أن يراش، وقوله: إقامة القدح كناية عن أنهم يصلحون ألفاظه وكلماته، ويتكلفون في إقامة مخارجه وصفاته. انظر عون المعبود (3/ 42) .
(5) أخرجه أحمد (14441) ، وأبوداود (830) ، وأبو يعلى (2197) ، والبيهقي في شعب الإيمان (2645) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وقد حسنه الألباني في صحيح الجامع (1167) .
(6) أخرجه ابن أبي شيبة (30002) ، وأحمد (19384) ، والترمذي (2917) ، والبزار (3553) ، (370) ، والروياني (81) ، والطبراني في الكبير (370) ، والبيهقي في شعب الإيمان (2628) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، قال الترمذي: حديث حسن ليس إسناده بذاك. اهـ، وقد حسنه السيوطي في الجامع الصغير (11413) ، والألباني في صحيح الجامع (6467) .
(7) سنن الدارمي (3473،3474) من حديث ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه.