والآثار في ذلك عن السلف كثيرة جدًا، وخلاصتها ما تقدم من أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، التي هي من رمضان.
- السبب الثالث: أن جبريل كان يأتيه صلى الله عليه وسلم في رمضان فيدارسه القرآن كل ليلة، كما في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" [1] .
وفي العام الذي توفي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم عارضه جبريلُ القرآنَ مرتين [2] .
إذن، فقد كان رمضان بالذات مخصصًا لتدارس القرآن بين جبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم في كل سنة، بحيث يتم في كل رمضان مراجعة ما أُنزل من القرآن فيقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل يستمع إليه، ومن خلال المعارضة يتم إثبات ما أمر الله تعالى بإثباته، ونسخ ما أمر بنسخه (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ) [الرعد: 39] . كما أنه قد يتم - أيضًا- شرح معاني القرآن، وتدارسها بين جبريل والرسول صلى الله عليه وسلم.
- وقد أخذ أهل العلم من ذلك: مشروعية ختم القران في رمضان؛ لأن جبريل والنبي عليهما صلوات الله وسلامه، كانا يُنْهِيَان في كل رمضان ما سبق نزوله من القرآن، وفي آخر سنة أنهياه مرتين بالمدارسة والمعارضة -كما تقدم-، فهذا دليل على أنه يستحب للمسلم أن يقرأ القرآن الكريم كاملًا في رمضان مرة أو أكثر؛ بل إن السُّنة أن يختم القرآن في كل شهر مرة، وإن استطاع ففي كل أسبوع مرة بل إن استطاع ففي كل ثلاث ليال مرة، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم [3] ؛ ولذلك كان السلف يخصصون جزءًا كبيرًا من وقتهم في رمضان لقراءة القرآن، حتى قال الزهري - رحمه الله-: إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام.
وكان الإمام مالك - رحمه الله- إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث، وأقبل على قراءة القرآن الكريم من المصحف.
إذن، ففي رمضان أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وفيه ابتدأ إنزال القرآن على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفيه كان جبريل يدارسه القرآن ويعارضه إياه؛ ولهذه الأسباب مجتمعة لابد أن تكون عناية المسلم بالقرآن مضاعفة في هذا الشهر الكريم، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالحين من بعده.
وحول موضوع العناية بالقران أود أن أشير إلى ملحوظات جوهرية:
الملحوظة الأولى: أن بعض الناس يظنون أن ختم القرآن مقصود لذاته، فَيَهُذُّ [4] الواحد منهم القرآن هَذَّ الشَّعر، بدون تدبر، ولا خشوع، ولا ترقيق للقلب، ولا وقوف عند المعاني؛ بل همه الوصول إلى آخر السورة أو آخر الجزء، أو آخر المصحف.
ولا شك أن القرآن ليس لهذا أُنزل؛ فإن الله تعالى يقول في هذا الكتاب الكريم نفسه (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا ءَايَتِهِ) [ص: 29] ، وقال تعالى: (بوَرَتّلِ القُرْآنَ تَرْتيِلًا) [المزمل: 4] ، وقال تعالى: (فَبِأيّ حَديث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:185، المرسلات:50] . (فَبِأيِ حَدِيث بَعْدَ اللهِ وَءَاياتِهِ يُؤْمِنُونَ) [الجاثية:6] . فمن الخطأ أن يحمل أحدَنَا الحماسُ إذا سمع بعض الآثار عن السلف التي تفيد أنهم يختمون القرآن كل يومين مرة، أو كل يوم مرة؛ فيقول: لابد أن أقتدي بهم، ويمضي يهذُّ القرآن هذًّا، غير متمعَّن ولا متدبر، ولا مراعٍ لأحكام التجويد، أو مخارج الحروف الصحيحة.
إن كون العبد يقرأ بعضًا من القرآن: جزءًا، أو حزبًا، أو سورة - بتدبر وتفكر - خير من أن يختم القرآن كاملًا بدون أن يعي شيئًا منه.
وقد ثبت - في الموطأ- عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- أنه أخذ في تحصيل سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها [5] .
وهل كان ابن عمر - رضي الله عنهما- محتاجًا أن يمكث ثماني سنين ليستظهر سورة البقرة؟ كلا، فإن صبيان الكتاب يحفظون القرآن كله في سنة أو سنتين، ولكنه رضي الله عنه استغرق ثماني سنين في سورة البقرة: يحفظها، ويتعلم معانيها، وأحكامها، وناسخها، ومنسوخها، وخاصها، وعامها، ويقف عند ما ورد فيها ... إلى غير ذلك، وهذا الذي جعله يفني في ضبطها هذا الوقت الطويل.
(1) البخاري (6) ، ومسلم (2308) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري (2624) ، ومسلم (2450) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3) انظر البخاري (5052) ، ومسلم (1159) ، والترمذي (2949) ، وأبو داود (1390) .
(4) الهذّ: سرعة القراءة. لسان العرب (3/ 517) .
(5) الموطأ (479) .