فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 41

- السبب الأول: أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، فإن الليلة التي نزل فيها جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِكَ الَّذي خَلَقْ، خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُكَ الأَكْرَمُ، الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) [العلق: 1 - 4] كانت في شهر رمضان. وقصة نزول جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم جاءت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها-، أنها قالت:"أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح [1] ، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع [2] إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملَكُ، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ [3] . قال: فأخذني فغطني [4] حتى بلغ مني الجهد [5] ، ثم أرسلني [6] فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِكَ الذي خَلَقْ، خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُكَ الأَكْرَمُ) [العلق: 1 - 3] ."

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها -فقال: زمَّلوني زمَّلوني [7] ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلاّ، والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ [8] ، وتكسب المعدوم [9] ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا بن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أومخرجيَّ هم؟"قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصُرْك نصرًا مؤزرًا. ثم لم ينشب [10] ورقة أن تُوفَّي، وفتر الوحي" [11] ."

هذه الحادثة كانت في رمضان، كما هو مقتضى ما ذكره ابن إسحاق، وأبو سليمان الدمشقي، فيما نقله ابن الجوزي في كتابه"زاد المسير في علم التفسير" [12] عند تفسير قول الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْءَان ُ} [البقرة: 185] . أي: ابتدأ إنزاله فيه.

ويحتمل أيضًا أن يكون هذا هو معنى قول الله تعالى (إنَّا أَنزَلْناهُ في لَيْلَةٍٍ مُبَارَكَةٍِ إنَّا كُنَّا مُنْذِِرِينَ) [الدخان:3] ، وقوله تبارك وتعالى: (إنَّا أَنزَلْناهُ في ليلة القَدْرِ) [القدر:1] . إلى آخر السورة، ذلك أن ليلة القدر من رمضان.

- السبب الثاني: أن رمضان هو الذي أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. كما جاء ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما-، وكما أطبق السلف على أن القرآن فُصِل من اللوح المحفوظ، وأُنزِل إلى بيت العزة في سماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم كان ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم نجومًا بحسب الوقائع والأحوال، كما هو معروف في أسباب النزول.

وقد نقل هذا المعنى عن جماعة من الصحابة، كواثلة بن الأسقع، وعائشة - رضي الله عنهما-، وجاء مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموقوفًا.

ونُقِلَ - أيضًا- أن الحسن بن علي - رضي الله عنهما- لما قتل أبوه - وكان ذلك في رمضان سنة 40هـ -قام فخطب الناس وقال:"لقد قتلتم رجلًا في ليلة نزل فيها القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، ورفع فيها عيسى إلى السماء، وقتل فيها يوشع بن نون، وتيب على بني إسرائيل".

(1) فلق الصبح: ضياؤه.

(2) ينزع: يرجع. لسان العرب (8/ 351) .

(3) ما أنا بقارئ: لا أعرف القراءة ولا أحسنها.

(4) فغطَّني: ضمني وعصرني حتى حبس نفسي. لسان العرب (7/ 362) .

(5) الجهد: غاية وُسعي. لسان العرب (3/ 133) .

(6) أرسلني: أطلقني. لسان العرب (11/ 283) .

(7) زملوني: لفوني وغطوني لسان العرب (11/ 311) .

(8) تحمل الكلَّ: تقوم بشأن من لا يستقل بأمره، كاليتيم ونحوه. مختار الصحاح (1/ 240) .

(9) تكسب المعدوم: تتبرع بالمال لمن عدمه. لسان العرب (12/ 393) .

(10) لم ينشب: لم يلبث. لسان العرب (1/ 757) .

(11) البخاري (4) ، ومسلم (160) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(12) انظر زاد المسير (1/ 187) ط المكتب الإسلامي 1407هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت