فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 41

وانقدح في نفسي جمع آخر لعله يكون معقولًا أيضًا، وهو أن عمر رضي الله عنه أمرهما أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة - وهذا لم تختلف فيه الروايات-، ولكن أبيًّا وتميمًا - رضي الله عنهما - صليا بالناس إحدى وعشرين أو ثلاثًا وعشرين؛ فالأمر من عمر بإحدى عشرة، والفعل منهما كان بإحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وذلك قد يكون بناء على أمر عرض لهما، رَأَيَا فيه أن المصلحة أن يصليا إحدى وعشرين أو ثلاثا وعشرين؛ لحاجة الناس إلى ذلك، كأن يكون الناس يستطيلون القيام والركوع والسجود وغيره حينما يصلون إحدى عشرة ركعة، فرأوا أن تكون الصلاة إحدى وعشرين، أو ثلاثًا وعشرين ركعة، يخففون فيها القيام، والركوع، والسجود؛ ليكون أمكنَ لهم في العبادة. وهذا الجمع ممكن أيضًا، وبذلك تأتلف النصوص.

وسواء صلَّى الناس إحدى عشرة، أو إحدى وعشرين، أو ثلاثًا وعشرين؛ فإن الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم من أنه لا تجوز الزيادة في التراويح على إحدى عشرة ركعة؛ قول ضعيف جدًا، لا ينبغي الالتفات إليه، لسببين:

الأول: لأن الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن صلاة الليل؛ قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"مثنى مثنى .." [1] وهذا الأعرابي ما كان يعرف صفة صلاة الليل، فضلًا عن أن يعرف عددها، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك: مثنى مثنى أي: تسلم من كل ركعتين، ولم يحدد له في ذلك عددًا محدودًا؛ بل أطلق الأمر.

الثاني: أن النوافل المطلقة جائزة على الإطلاق ليلًا ونهارًا، إلا في أوقات النهي، فلو صلى الإنسان قبل الظهر، أو بعد الظهر، أو بعد المغرب، أو بعد العشاء، أو في الضحى ما تيسر له: ركعتين، أو أربعًا، أو عشرًا، أو عشرين؛ فلا بأس، فهذه نوافل مطلقة، وجماهير الأمة - بما فيهم الأئمة الأربعة- على أنها لا تُحدَّ بعدد لا تجوز الزيادة عليه، وإن كان منهم من يقول: إن هناك عددًا أفضل من عدد آخر.

- التنبيه الثاني:

أن الصلاة عمومًا - بما في ذلك النافلة- إنما شرعت؛ لتهذيب النفوس، وتصفية القلوب وتطهيرها من الحقد والحسد والبغضاء، وجعلها متآخية متحابة متقاربة، وهذا من أعظم مقاصد العبادات، وهذا أمر ملحوظ؛ فإن العبد إذا أقبل على صلاته رقَّ قلبه، وسمت نفسه، فكيف يجوز أو يسوغ شرعًا أو عقلًا أن يكون هذا الأمر الذي شرع لهذه المقاصد السامية مجالًا للخصام والتنافر والتباغض بين بعض طلبة العلم، حينما يسوِّدون الصفحات الكثيرة خصامًا في صلاة التراويح، وهجومًا على بعض، وردًّا على بعض، وتشهيرًا ببعض؟! كما قد يقع ذلك - أيضًا- من العامة في المساجد إذا دخل رمضان، فهم بين قائل للإمام: صلَّ إحدى عشرة، وقائل: صلَّ عشرين، وقائل: خفف الصلاة، وقائل: أسرع فيها، وقائل: أبطئ .. وهكذا يختلفون على الإمام، وتتحول العبادة التي شرعها الله تعالى لتهذيب الأمة أفرادًا ومجتمعات، ولجمع الكلمة؛ تتحول في هذا الزمان إلى ميدان لأضداد مقاصدها، فنسأل الله أن يرد الأمة إلى الفقه في دينه، والاجتماع عليه.

إن جمع الكلمة، وسلامة القلب، وطهارة النفس، من مقاصد الشرع المُجمع عليها عند جميع المسلمين، أما عدد الركعات فمن المختلف فيه، فكيف نقدِّم العناية بالمختلف فيه على العناية بالمجمع عليه؟

- التنبيه الثالث:

أن من المهم التوسعة في هذه الأمور على الناس، فإننا نعلم من هدي الإسلام أنه دين يسر وسماحة، ومن نماذج ذلك ما جاء في الحديث المتفق عليه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، قال:"اذبح ولا حرج". فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال:"ارم ولا حرج". فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال:"افعل ولا حرج" [2] .

فكان صلى الله عليه وسلم يحب التوسعة على أمته، وهذا المسلك نجد علماء أهل السنة يسلكونه عبر العصور، وهكذا يجب علينا في هذا العصر أن نبتعد عن المشقة على الناس في صلاة التراويح وفي غيرها، ومن الابتعاد عن المشقة أن يراعي الإمام حال المأمومين، فإن كان يشق عليهم، -مثلًا- أن يصلي بهم عشرين ركعة؛ فليصل بهم عشرًا، وهذا أوفق وأقرب للسنة.

وإن كان أكثرهم اعتادوا على عشرين ركعة، وهي أخف عليهم من عشر يطول الوقوف فيها؛ فليصل بهم عشرين ولا حرج، إذ ليس ثمة حدٌّ لصلاة التراويح، وإنما الذي تجب مراعاته أن تكون مَثْنى مَثْنى.

(1) رواه البخاري (472) ، ومسلم (749) من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما-.

(2) أخرجه البخاري (83) ، ومسلم (1306) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه. وأخرجه البخاري (84) ، ومسلم (1307) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت