فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 41

أولًا: أن بعض الناس يقبلون على العبادة في رمضان، ويدعونها في غيره، فترى المساجد تمتلئ في رمضان فقط، بل إن من المحزن أن تراها تمتلئ في وقت المغرب بالذات بشكل أكبر، ويكون ذلك في اليوم الأول أبرز منه في اليوم الثاني، ولا يزال الناس يتناقصون، حتى يكون آخر شهر رمضان مثل غيره من الشهور تقريبًا. وهذا أمر خطير، وظاهرة مرضية، كأن هذا الصنف لا يعرفون الله إلا في رمضان- والعياذ بالله-.

فيجب على الدعاة، والوُعَّاظ، وأئمة المساجد؛ أن يستغلوا فرصة خروج أولئك الناس من بيوتهم إلى المساجد؛ لينبهوهم إلى خطورة هذا العمل، وفداحة أمر التهاون بالصلاة التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم:"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" [1] .

ثانيًا: أن بعض الناس يصومون عن: الأكل، والشرب، والجماع، وغيره من المفطرات، ولا يصومون عن أشياء محرمة: كالغيبة، والنميمة، وقول الزور، وشهادة الزور، والكذب، والسب، والشتم، والغش، والاعتداء ... وغير ذلك من المخالفات القولية أو الفعلية. وهذا لا شك أنه انتكاس في مفهوم الصيام؛ لأن الصوم تربية للصائم، فليس من المعقول أن يربيك الله على الإمساك عن بعض المباح، ثم لا تمسك عن المحرمات. ولقد قال صلى الله عليه وسلم:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" [2] ولقد ذهب بعض العلماء إلى أن الصائم يفطر بارتكابه لشيء من هذه المحرمات؛ من غيبة ونميمة وغيرها، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم، وقد احتجوا بحديث المرأتين اللتين غلبهما الصيام، فعن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأتين صامتا، وأن رجلًا قال: يا رسول الله، إن هاهنا امرأتين قد صامتا وإنهما قد كادتا أن تموتا من العطش فأعرض عنه، أو سكت، ثم عاد وقال: يا نبي الله، إنهما والله قد ماتتا أو كادتا أن تموتا، قال: ادعهما. قال: فجاءتا، قال: فجيء بقدح أو عس، فقال لإحداهما: قيئي، فقاءت قيحًا أو دمًا وصديدًا ولحمًا، حتى قاءت نصف القدح، ثم قال للأخرى: قيئي، فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط [3] وغيره حتى ملأت القدح، ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله تعالى عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس" [4] ."

لكن هذا الحديث ضعيف، والصحيح أن الصائم لا يفطر بالغيبة والنميمة ونحوها، لكنه قد ارتكب جرمًا عظيمًا، وخالف مقاصد الصيام.

ثالثًا: أن بعض المتحدثين عن فضائل الصيام، يركزون في حديثهم على الفوائد الدنيوية للصوم؛ كالفوائد الصحية - مثلًا-، وينسون أو يقصرون في تنبيه الناس إلى الجانب الأخروي في الصيام، وأنه عبادة لله تعالى حتى لو فرض أنه كان غير صحي؛ ولهذا فإن المؤمن يخوض المعارك وقد تذهب روحه فيها؛ لأن ذلك طاعة وعبادة لله تعالى.

إذن فليس المقصود الأول من الصوم أن يصح الجسد، ويسلم من الآفات، أو أن يحصل الصائم على منفعة عاجلة، وإنما المقصود التعبد لله تعالى، وتأتي الفوائد الدنيوية تبعًا.

رابعًا: سوء الخلق: فبعض الصائمين يبدو سيئ الخلق؛ بسبب امتناعه عن الأكل والشرب، فتراه قاسيًا فظًا غليظًا على أهله، وعلى الناس الذين يعاملهم ويحتك بهم، يستعمل الألفاظ النابية، ويتصرف تصرفات متشنجة، وهذا خلاف ما يجب أن يكون عليه الصائم من حسن الخلق الذي أوصاه به الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه:"الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" [5] .

فما بال بعض الناس إذا صام اشتدت أعصابه، وطار صوابه، وطفق يرمي بالعبارات الجافية القاسية أهلَه وأولاده، وجيرانه وزملاءه ومعامليه، وربما كان في غير حال الصوم هادئًا وديعًا، خلوقًا لطيفًا!!

خامسًا: أن بعض الصائمين يتخذ رمضان فرصة للكسل والخمول، في حين أن المسلمين الأوائل كانوا على عكس ذلك، فكثير من المعارك الإسلامية الشهيرة كانت في رمضان.

(1) أخرجه أحمد (22428) ، والترمذي (2621) ، والنسائي (463) ، وابن ماجه (1079) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.

(2) أخرجه البخاري (1903) من حديث أبي هريرة

(3) دم عبيط: طرِيّ. المعجم الوسيط (2/ 602) .

(4) أخرجه الطيالسي (2107) ، وأحمد (23141) ، والروياني (729) والبيهقي في شعب الإيمان (6722) ، من حديث شيخٍ عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 171) : فيه رجل لم يسم. اهـ

(5) أخرجه البخاري (2216) ، ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت