وإذا كان اليمين الصهيوني الحاكم يحاول اليوم التّنكر لها والتنصل منها فإنّه يهدف إلى تحقيق مكاسب استراتيجية أخرى أكبر، وتنازلات فلسطينية أكبر، وعندما يحتاج الطّرف اليهودي لمفاوضة الفلسطينيين من جديد فسينطلق ليس من المكاسب الفلسطينية المزعومة المتوهمة في اتفاقية جنيف كما يروّج لها بغلاف من الخداع اللفظي، بل إنّه سيأخذ التنازل الفلسطيني في سويسرا كمنطلق لتحقيق تنازلات أخرى خاصة على صعيد القدس والأقصى والحدود، وهكذا ستصبح صيغة جنيف ملزمة بما هو أسوا فلسطينيا وأفضل إسرائيليا، ولعلّ التصريح الذكي الذي نطق به الداهية شمعون بيريس ينطوي على مفارقة خطيرة عندما علّق على اتفاقية سويسرا بقوله:"بأنها منطلق جيد للتفاوض"ولم يقل"نموذج جيد للتسوية"، وإذا كانت هذه قناعة بيريس الأب الروحي لليسار الصهيوني فكيف سيلزم الفلسطينيون اليمين الصهيوني الحاكم اليوم لإسرائيل بمكاسبهم؟
وثيقة جنيف تشكل إقرارًا واضحًا للإسرائيليين بنجاح مشروعهم الصهيوني في فلسطين، بل ولا نبالغ إن قلنا أنّها تشكل إسهامًا في ذلك النجاح، ذلك أنّه في الوقت الذي أصبح فيه الكثير من السياسيين والمحللين الإسرائيليين يشعرون بانحسار الفكرة الصهيونية، بل ويقرّون بفشلها وانهيارها، تأتي الوثيقة لتقر للإسرائيليين بشكل رسمي باغتصابهم لثلاثة أرباع فلسطين التاريخية، ومن ثم تتنازل بشكل فعلي عن حق العودة الذي يمثل جوهر قضية الشعب الفلسطيني.
وإنّ مما يؤكّد خطورة الاتفاقية المسماه"وثيقة جنيف"أنّها جاءت في ظل أوضاع حرجة وظروف صعبة يعيشها الشعب الفلسطيني، ناتجة عن ما يلي: