فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 19

قال الشوكاني: وقد ثبت النهي عن بيع الغرر في أحاديث منها المذكور في الباب، ومنها عن ابن عمر عند أحمد وابن حبان، ومنها عن ابن عباس عند ابن ماجه، ومنها عن سهل بن سعد عند الطبراني [1] . وقد ترجم البخاري, فقال: «باب بيع الغرر، وحبل الحبلة» .

وعلق عليها في الفتح فقال: ثم إن عطف بيع حبل الحبلة على بيع الغرر من عطف الخاص على العام، ولم يذكر في الباب بيع الغرر صريحًا, وكأنه أشار إلى ما أخرجه أحمد, عن نافع, عن ابن عمر قال: «نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر» [2] .

3 -عن عطاء, عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر» . قال في الزوائد: في إسناده أيوب بن عتبة، ضعيف [3] . وهذه الأحاديث ونحوها مما لم يذكر يشد بعضها بعضًا, والصحيح منها يشهد للضعيف، وهي متفقة على أن الغرر منهي عنه، وخصه العلماء بالغرر الكثير, كما تقدم في أقسام الغرر. وهل النهي في الأحاديث يقتضي بطلان البيع وفساده؟ يجيب الشوكاني فيقول: «والأحاديث المذكورة في الباب تقتضي بطلان البيع؛ لأن النهي يستلزم ذلك كما تقرر في الأصول» [4] . والأمر كذلك عند غيره من الفقهاء في باب الغرر. يقول ابن قاسم الغزي: «ولا يجوز بيع الغرر» . قال الباجوري: «أي: لا يصح» . ويقول الكاساني: «الغرر يوجب فساد البيع لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وغرر» , والمنهي عنه فاسد [5] . وبالرغم من أن الحنفية يفرقون في باب المعاملات بين الفاسد والباطل, إلا أنهم في بيع الغرر يجمعون بين اللفظين: «باطل وفاسد» . يقول ابن الهمام عند تقسيمه للبيع غير الجائز: «وغير الجائز ثلاثة أنواع: باطل, وفاسد, وهو بيع ما ليس بمال كالخمر والمدبر، والمعدوم كالسمن في اللبن، وغير مقدور التسليم كالآبق، وموقوف حصره في الخلاصة في خمسة عشر» [6] . أقول: وبيع المعدوم، وغير المقدور على تسليمه من بيع الغرر الذي هو باطل وفاسد.

وبالجملة فإن الحنفية يترجمون لجملة من البيوع بقولهم: «البيع الفاسد» ثم يتكلمون أولًا عن البيع الباطل؛ لأن الفاسد أعم من الباطل؛ لأن كل باطل فاسد ولا ينعكس. ومن أمثلة الباطل عندهم: «ولا يجوز بيع السمك قبل الاصطياد؛ لما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع الغرر ... ولا يجوز بيع الحمل والنتاج، واللبن في الضرع؛ لما روينا ... ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم ... ولا يجوز بيع المزابنة ... ولا الملامسة وإلقاء الحجر ... وثوب من ثوبين ... » إلى آخر صور الغرر [7] .

سابعًا: علة النهي عن بيع الغرر، والرد على من قال بجوازه:

وعلة النهي عن الغرر في البيوع هي الجهالة المفضية إلى المنازعة، وكل جهالة هذه صفتها تمنع الجواز [8] , فمثلًا جهالة ذات المبيع تمنع صحة العقد لإفضائها إلى المنازعة؛ لأن الأعيان تختلف رغبات الناس فيها لاختلاف ماليتها، فالبائع إذا سلم عينًا فمن الجائز أن يطلب المشتري عينًا أخرى أجود منها باسم الأولى فيتنازعان. وجهالة وصف المبيع مفضية إلى المنازعة أيضًا. ففي جهالة الذات والصفة خطر من وجوه في أصل المعقود عليه, وفي وصفه, وهذا يجعل المعقود عليه مترددًا بين الوجود والعدم بأصله ووصفه. ثم الخطر الثالث في وجود التسليم وقت وجوبه؛ لأن وقت الوجوب هو وقت نقد الثمن، وقد يتفق النقد، وقد لا يتفق، والغرر من وجه واحد يكفي لفساد العقد, فكيف من وجوه ثلاثة [9] .

وعلل ابن العربي النهي عن بيع الغرر بأنه من أكل أموال الناس بالباطل. قال: ويرجع الغرر بالتحقيق إلى الباطل [10] .

وذكر العدوي في حاشيته أنه اختلف في علة الغرر، فقيل: أكل أموال الناس بالباطل، وقيل: لما يؤدي إليه من النزاع. وقيل: لعدم القدرة على التسليم [11] .

أقول: لا مانع من أن تكون علة النهي عن الغرر ذلك كله, فعدم القدرة على التسليم تفضي إلى المنازعة, كما تفضي إلى أكل أموال الناس بالباطل.

وهذا وقد ورد في الفتح أنه قد روى الطبري عن ابن سيرين بإسناد صحيح قال: لا أعلم ببيع الغرر بأسًا [12] .

وفي المحلى لابن حزم: وقد أباحه بعض السلف: كما روينا من طريق ابن أبي شيبة ... عن ابن سيرين, عن شريح أنه كان لا يرى بأسًا ببيع الغرر إذا كان علمهما فيه سواء. وكما روينا من طريق ابن أبي شيبة ... عن محمد بن سيرين, قال: لا أعلم ببيع الغرر بأسًا [13] .

ومن طريق سعيد بن منصور ... عن إبراهيم, قال: من الغرر ما يجوز، ومنه ما لا يجوز. فأما ما يجوز فشراء السلعة المريضة، وأما ما لا يجوز فشراء السمك في الماء، وقد روينا إجازة بيع السمك في الماء قبل أن يتصيد عن عمر بن عبد العزيز - وبه يقول ابن أبي ليلى [14] .

(1) نيل الأوطار، جـ6، ص230. فتح الباري، جـ4، 418.

(2) فتح الباري، جـ4، 418. المحلى لابن حزم، جـ7، ص301، مسألة 1428.

(3) سنن ابن ماجه، جـ2، ص739. مجمع الزوائد، جـ4، ص142، وما بعدها. باب بيع الغرر وما نهي عنه.

(4) نيل الأوطار، جـ6، ص231.

(5) حاشية الباجوري، جـ1، ص346. شرح جلال الدين المحلي، جـ2، ص161. تحفة المحتاج وحواشيها، جـ4، ص250. وانظر للحنابلة: الإنصاف، جـ4، ص323. وللمالكية: الفروق وتهذيبه، جـ2، ص82، وما بعدها.

(6) بدائع الصنائع، جـ5، ص168.

(7) شرح فتح القدير، جـ6، ص41.

(8) انظر للحنفية: تبيين الحقائق وحاشية الشلبي، جـ4، ص43، وما بعدها. بدائع الصنائع، جـ5، ص138، 163, 168، 174. الهداية وشروحها، جـ6، ص41، 49، 50، وما يليها. الاختيار، جـ2، ص28، وما بعدها. نصب الراية، جـ4، ص10، وما بعدها. أحكام القرآن للجصاص، جـ1، ص568. وانظر أيضًا: الهداية وشروحها، جـ5، ص467، 468. وللمالكية: الشرح الكبير وحاشية الدسوقي، جـ3، ص54، وما بعدها، شرح الخرشي وحاشية العدوي، جـ5، ص 67، 68، وما بعدها. الفروق وإدرار الشروق، جـ2، ص82، 83. تهذيب الفروق، جـ2، ص96، 97. وللشافعية: تحفة المحتاج وعليها الشرواني والعبادي، جـ4، ص291، وما بعدها. روضة الطالبين، جـ3، ص57، وما بعدها، ص 74، وما بعدها. شرح المحلي والقليوبي، جـ2، ص175، وما بعدها. أسنى الطلب وحاشية الرملي، جـ2، ص30، وما بعدها. وللحنابلة: الروض المربع وحاشية العنقري، جـ2، ص36، 48، 130. الشرح الكبير، جـ3، ص27. إعلام الموقعين، جـ2، ص28، وللإباضية: شرح النيل، جـ8، ص94، وما بعدها، ص114. نتائج الأقوال، جـ2، ص53. الجامع لابن بركة، جـ2، ص324، وما بعدها.

(9) الهداية وشروحها، جـ5، ص468. حاشية الشلبي، جـ4، ص43.

(10) قال ذلك الشافعي عند تبريره اشتراط العلم بالمبيع ذاتًا وصفة. بدائع الصنائع، جـ5، ص 163. وانظر: شرح جلال المحلي، جـ2، ص161. تحفة المحتاج وحواشيها، جـ4، ص250.

(11) أحكام القرآن، جـ1، ص243، 244.

(12) حاشية العدوي على الخرشي، جـ5، ص 75.

(13) سبل السلام، جـ3، ص14. وانظر: نيل الأوطار، جـ6، ص230.

(14) فتح الباري، جـ4، ص418.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت