هذا هو القسم الثالث, وهو الغرر المتوسط, واختلف فيه، هل يلحق الأول -وهو القليل اليسير- فيعفى عنه، أو يلحق بالثاني -وهو الكثير- فيكون ممنوعًا؟ وهل لارتفاعه عن القليل يلحق بالكثير ولانحطاطه عن الكثير يلحق بالقليل؟ هذا هو سبب اختلاف الفقهاء في فروع الغرر والجهالة [1] .
قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده، وهو أنه إذا دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة, وكان الغرر حقيرًا, جاز البيع وإلا فلا. قال النووي: وما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده كبيع العيني الغائبة [2] مبني على هذه القاعدة, فبعضهم يرى أن الغرر حقير فيجعله كالمعدوم, فيصح البيع، وبعضهم يراه ليس بحقير, فيبطل البيع [3] . ومن المختلف فيه بيع القمح في سنبله, فأجازه المالكية، ومنعه الشافعي فلم يغتفر الجهل, واغتفره المالكية. وكذلك بيع الطول الأخضر والجوز واللوز في القشر الأعلى, أجازه المالكية، ومنعه الشافعي [4] .
ومن المختلف فيه أيضًا شراء أنثى الحيوان على شرط أنها حامل, فظاهر الرواية عند الحنفية المنع للغرر، وأجازه أبو حنيفة في رواية الحسن بن زياد عنه بمنزلة شرط كون العبد كاتبًا أو خياطًا ونحو ذلك, وذا جائز فكذا هذا. وللمالكية تفصيل في هذه المسألة [5] .
سادسًا: النهي عن بيع الغرر:
ورد النهي عن الغرر في أحاديث منها:
1 -عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشتروا السمك في الماء, فإنه غرر» . رواه أحمد [6] .
والحديث في إسناده يزيد بن أبي زياد, عن المسيب بن رافع, عن ابن مسعود. قال البيهقي: فيه إرسال بين المسيب وعبد الله، والصحيح وقفه. وقال الدارقطني في العلل: اختلف فيه، والموقوف أصح، وكذلك قال الخطيب وابن الجوزي. ويشهد لهذا الحديث ما روي مرفوعًا في النهي عن بيع السمك في الماء. رواه أبو بكر بن عاصم, عن عمران بن حصين [7] .
2 -عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم: «نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» . رواه الجماعة إلا البخاري [8] .
(1) الفروق، جـ3، ص226. إدرار الشروق، جـ3، ص271.
(2) يجوز عند المالكية بيع الشيء الغائب على الصفة أو رؤية متقدمة، وأجازه أبو حنيفة من غير صفة ولا رؤية، ومنعه الشافعي مطلقًا. ولجوازه عند المالكية خمسة شروط. انظر: القوانين الفقهية، ص220، وبدائع الصنائع، جـ5، ص163. تحفة المحتاج، جـ4، ص250. شرح المحلي وعليه القليوبي، جـ2، ص161.
(3) شرح صحيح مسلم، جـ10، ص156، 157.
(4) القوانين الفقهية، ص220، 221.
(5) راجع هامش الغرر اليسير السابق في القسم الأول.
انظر: الدسوقي والشرح الكبير، جـ3، ص60. بدائع الصنائع، جـ5، ص168، 174.
(6) منتقى الأخبار بشرحه نيل الأوطار، جـ6، ص230. «باب النهي عن بيوع الغرر» .
(7) نيل الأوطار، جـ6، ص230.
(8) منتقى الأخبار، جـ6 ص 229 «باب النهي عن بيوع الغرر» . بلوغ المرام مع شرحه سبل السلام، جـ3، ص15. صحيح مسلم بشرح النووي، جـ10، ص156، 157. سنن ابن ماجه، جـ2، ص739. سنن أبي داود، جـ3، ص252. المحلى لابن حزم، جـ7، ص301، 302، مسألة 1428.