هذا, وإذا كان الغرر الكثير مفسدًا ومبطلًا للبيع, فإن بعض بيوعه منطوق بها، وبيوع مسكوت عنها. يقول ابن رشد الحفيد: «ومن البيوع التي توجد فيها هذه الضروب من الغرر بيوع منطوق بها، وبيوع مسكوت عنها، والمنطوق به أكثره متفق عليه, أي: على تحريمه، وإنما يختلف في شرح أسمائها ... » [1] .
ويقول النووي: «اعلم أن بيع الملامسة، وبيع المنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الحصاة، وعسب الفحل, وأشباهها من البيوع التي جاء فيها نصوص خاصة، هي داخلة في النهي عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر، ونهي عنها لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة» [2] .
وخلاصة القول في هذا القسم أنه مفسد للبيع ومبطل له بالإجماع. يقول القرافي [3] وابن الشاط [4] عند تقسيم الغرر باعتبار أثره إلى ثلاث أقسام: « ... وكثير ممتنع إجماعًا؛ كالطير في الهواء» , ثم يقول ابن الشاط: ومن ذلك جميع البيوع التي نهى عنها صلى الله عليه وسلم؛ كبيع حبل الحبلة؛ لأنه إما عبارة عن بيع يؤجلونه إلى أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم ينتج ما في بطنها، والغرر في هذا من جهة جهل الأجل بين. وإما عبارة عن بيع جنين جنين الناقة, وهذا من باب النهي عن بيع المضامين والملاقيح، والمضامين: هي ما في بطون الحوامل، والملاقيح ما في ظهور الفحول، وكبيع ما لم يخلق، وبيع الملامسة, وكانت صورته في الجاهلية أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره، أو يبتاعه ليلًا ولا يعلم ما فيه، وسبب تحريمه الجهل بالصفة [5] , وكبيع المنابذة، وصورته: أن ينبذ كل واحد من المتبايعين إلى صاحبه الثوب من غير أن يعين أن هذا بهذا, بل كانوا يجعلون ذلك راجعًا إلى الاتفاق [6] , وكبيع الحصاة, وصورته: أن يقول المشتري: أي ثوب وقعت عليه الحصاة التي أرمي بها فهو لي. وقيل: أيضًا أنهم كانوا يقولون: إذا وقعت الحصاة من يدي فقد وقع البيع, وهذا قمار. فهذه ونحوها كلها بيوع جاهلية متفق على تحريمها, وهي محرمة لكثير الغرر الحاصل من جهات الجهالة المذكورة [7] .
(جـ) الجهالة والغرر المتوسط:
(1) بداية المجتهد، جـ2، ص224. إدرار الشروق، جـ3، ص272.
(2) شرح مسلم للنووي، جـ10، ص156، 157. سبل السلام، جـ3، ص15.
(3) الفروق، جـ3، ص265، 266.
(4) إدرار الشروق، جـ3، ص271. وانظر جواهر الإكليل، جـ2، ص23.
(5) أي: أن بيع الملامسة هو أن يلمس الثوب فيلزمه البيع بلمسه وإن لم يتبينه. ومن مجهول الصفة كقوله: بعتك ثوبًا من منزلي، أو بيع الشيء من غير تقليب ولا وصف. ومجهول الجنس؛ كقوله: بعتك ما في كمي، ومجهول المقدار كقوله: بعت منك بسعر اليوم, أو بما يبيع الناس, أو بما يقول فلان أو أهل الخبرة، أو بالقيمة التي ستظهر في السوق. القوانين الفقهية، ص220، 221.
(6) أي: وهو أن ينبذ أحدهما ثوبه إلى الآخر، وينبذ الآخر ثوبه إليه فيجب البيع بذلك. والنبذ: هو الطرح. القوانين السابق.
(7) إدرار الشروق، جـ3، ص271. وانظر أيضًا في الأمثلة: بداية المجتهد، جـ2، ص224، وما بعدها. القوانين الفقهية، ص220، 221. الفروق، جـ3، ص265، 266. الدسوقي الشرح الكبير للدردير، جـ3، ص55، 56. الخرشي وحاشية العدوي، جـ5، ص69، 70، وما بعدها. جواهر الإكليل، جـ2، ص21، 22، 23. شرح النيل، جـ8، ص94، 95. جامع ابن بركة، جـ2، ص342. بدائع الصنائع، جـ5، ص163، 168، 174. الروض المربع، جـ2، ص36. إعلام الموقعين، جـ2، ص28. زاد المعاد، جـ5، ص536. الشرح الكبير للمقدسي، جـ4، ص27. سبل السلام، جـ3، ص14. نيل الأوطار، جـ6، ص230. فتح الباري، جـ4، ص418. شرح مسلم للنووي، جـ10، ص156، 157. المهذب، جـ1، ص262. روضة الطالبين، جـ3، ص58.