فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 19

ونحو ذلك شهرًا مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء، وفي قدر مكثهم. وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب، واختلاف عادة الشاريين» [1] .

وخلاصة القول في الغرر اليسير أنه جائز مغتفر إجماعًا للحاجة والضرورة, إذ البيع من أصله من الأمور الحاجية. فإذا دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر, ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة, وكان الغرر حقيرًا، وهو ما شأن الناس التسامح فيه. جاز البيع ونحوه من عقود المعاوضات؛ كالإجارة، وإلا فلا. وقد تقدمت أمثلة له مجمع على جوازها.

ويرى المالكية أن شرط العفو عن الغرر اليسير أن يكون مقصودًا, فإن قصد فلا عفو، كما يرون أنه عند الشك في كونه يسيرًا, فإن الأقرب عدم العفو.

(ب) الجهالة والغرر الكثير:

الغرر الكثير هو ما لا يتسامح فيه الناس [2] , وهو مفسد للبيع, ولا يغتفر بالإجماع. ويقول الدردير: «فخرج بقيد اليسارة الكثير, كبيع الطير في الهواء, والسمك في الماء, فلا يغتفر إجماعًا» [3] , ويقول الدسوقي: «الغرر الكثير لا يغتفر إجماعًا, بل يفسد البيع» [4] . وقد أرجع ابن العربي هذا القسم إلى باب أكل أموال الناس بالباطل، فبعد أن بين وجوه أكل الأموال بالباطل في بيع الغرر كله, قال: «صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يصح ستة وخمسون معنى نهى عنها ... التاسع: بيع الغرر ... ويرجع الغرر بالتحقيق إلى الباطل» [5] .

ويقول النووي: «وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم, ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة كبيع ... ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة ... ويستثنى من بيع الغرر أمران [6] ... » ثم قال: «وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون، والطير في الهواء» [7] .

وفي الهداية عند بيان أن الأثمان المطلقة لا تصح إلا أن تكون معروفة القدر والصفة؛ لأن التسليم والتسلم واجب بالعقد، وهذه «الجهالة مفضية إلى المنازعة، وكل جهالة هذه صفتها تمنع الجواز. هذا هو الأصل» [8] .

يقول الجصاص عند قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [9] : «ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد بها الخصوص؛ لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات؛ نحو ... وبيع الغرر، والمجاهيل ... » [10] .

(1) شرح النووي على مسلم، جـ10، ص156، 157. وانظر إدرار الشروق، جـ3، ص274. سبل السلام، جـ3، ص15.

(2) حاشية الدسوقي، جـ3، ص60.

(3) الشرح الكبير، جـ3، ص60.

وانظر نفس النص في العدوي على الخرشي، جـ5، ص75، مجلد 3.

(4) حاشية الدسوقي على الشرح السابق. الفروق وإدرار الشروق، جـ3، ص266، 271.

(5) أحكام القرآن لابن العربي، جـ1، ص243، 244.

(6) سبق في الغرر القليل.

(7) شرح مسلم، جـ10، ص156، 157. فتح الباري، جـ4، ص418. نيل الأوطار، جـ6، ص230.

(8) البداية وشروحها، جـ5، ص468.

(9) سورة البقرة: جزء من الآية 275.

(10) أحكام القرآن للجصاص، جـ1، ص568. وانظر: بدائع الصنائع، جـ5، ص163، 168، 174. بداية المجتهد، جـ2، ص193. شرح جلال المحلي، جـ2، ص161. تحفة المحتاج وحواشيها، جـ4، ص250. حاشية الباجوري، جـ1، ص346. شرح فتح القدير، جـ6، ص50. المحلى، جـ7، ص287، مسألة 1423. الروض المربع وحاشية العنقري، جـ2، ص36. إعلام الموقعين، جـ2، ص28. الشرح الكبير للمقدسي، جـ4، ص27. شرح النيل، جـ8، ص94، 95. الجامع لابن بركة، جـ2، ص324. روضة الطالبين، جـ3، ص58. المهذب، جـ1، ص262.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت