أقول: أما ما روي عن ابن سيرين ومن وافقه فقد قال ابن بطال: لعله لم يبلغه النهي، وإلا فكل ما يمكن أن يوجد وأن لا يوجد لم يصح، وكذلك إذا كان لا يصح غالبًا، فإن كان يصح غالبًا كالثمرة في أول بدو صلاحها، أو كان مستترا تبعًا كالحمل مع الحامل, جاز لقلة الغرر. قال: ولعل هذا هو الذي أراده ابن سيرين. إلا أن الحافظ قال: لكن منع من ذلك -أي: من إرادة ابن سيرين لتوجيه ابن بطال- أن ابن المنذر روى عن ابن سيرين أنه قال: لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحدًا، فهذا يدل على أنه يرى بيع الغرر إن سلم في المال [1] .
وفي المحلى لابن حزم: قال أبو محمد: لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذي ذكر إبراهيم ليس شيء منه غررًا، أما المريضة فكل الناس يمرض ويموت، وقد يموت الصحيح فجأة, ويبرأ المريض المدنف، فلا غرر ههنا أصلًا.
وأما السمك في الماء، فإن كان قد ملك قبل فليس بيعة غررًا, بل هو بيع صحيح، وقد وافقنا الحاضرون منه خصومنا على أن بركة في دار لإنسان صغيرة صاد صاحبها سمكة ورماها فيها حية, فإن بيعها فيها جائز، وأما ما لم يملك من السمك بعد, فلم يجز بيعه؛ لأنه غرر، حتى ولو كانت السمكة مقدورًا عليها بالضمان ما حل بيعها، وإنما حرم؛ لأنه بيع ما ليس له، وهذا أكل مال بالباطل [2] .
والحق أن بيع الغرر الكثير محرم بقوله تعالى: (وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) [3] وبيع الغرر فيه أخذ مال الغير ظلمًا، وهو نوع من الباطل الذي نهانا الله تعالى عنه، وهو محرم أيضًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدم ذكرها.
فإذا وقع بيع الغرر الكثير وجب فسخه ورد المبيع إلى بائعه، وأخذ المشتري الثمن، فإن مات وجب رد قيمته [4] .
(1) المحلى، جـ7، ص301، مسألة 1428.
(2) المحلى السابق.
(3) فتح الباري، جـ4، ص418.
(4) المحلى، جـ7، ص301، مسألة 1428.