الصفحة 6 من 8

أيضا يسلك طريق التبرير، ولا يرفض ما جاء في الروايات من تناقضات، وهو على يقين أنَّ هذه الروايات غير مقبولة بدليل أنَّه علق عليها وحاول أن يجد مخرجا لها، وذلك لسبب بسيط هو أنها جاءت في بعض الكتب المعتبرة عنده ورواتها من الثقاة عند أهل الحديث، فنراه يعلق على رواية نفيل فيقول: (مر زيد برسول الله صلي الله عليه وسلم وبابن حارثة وهما يأكلان في سفره فدعواه، فقال: إني لا آكل مما ذبح على النصب .... اللفظ مليح يفسر ما قبله، وما زال المصطفى محفوظًا محروسا قبل الوحي وبعده ولو احتمل جواز ذلك فبالضرورة ندري انه كان يأكل من ذبائح قريش قبل الوحي، وكان ذلك على الإباحة، وإنما توصف ذبائحهم على التحريم بعد نزول الآية كما أن الخمرة كانت على الإباحة إلى أن نزل تحريمها بالمدينة بعد يوم احد، ... وبكل حال لو بدا منه شيء من ذلك لما كان عليه تبعة لأنه كان لا يعرف) [1] ، لا ريب أنَّ ما قدمناه من رأي الذهبي فيه كثير من الدقة، فالنبي محروس محفوظ من الله تعالى قبل الوحي وبعده، وهو أيضا يمتلك روحًا سامية عالية وعقلًا سليمًا يجنبه القبائح، لكن الذهبي ناقش قضية الشرع والتحريم وهل كانت اللحوم المذبوحة لغير الله محرمة قبل البعثة أو إنها على الإباحة، وافترض أنَّ الرسول (ص) إذا قام بعمل قبل البعثة ونزول التحريم فليس عليه تبعة، ونحن هنا لا نناقش هذه الأمور حلال أم حرام لأنها ليست ضمن نطاق البحث، بل نناقش كيف لم يستقبح الرسول (ص) هذا العمل كما فعل زيد، وإذا كان البسطاء من الناس توصلوا إلى أنَّ هذا العمل غير محبب فمن باب أولى أن يمتنع عنه النبي (ص) .

وعلى الرغم من أنَّ الذهبي يرفض فكرة أن ينحر الرسول (ص) للأنصاب لأنه معصوم من الشرك، لكنه في نفس الوقت لا يستطع أن يرفض الروايات التي ذكرت هذا الأمر فيقول إنها موضوعة أو مبالغ فيها أو محرفة، فيعلق على رواية النحر بالقول: (رواه الحربي في الغريب عن شيخين له عن أبي أسامة ثم قال في ذبحها على النصب وجهان: إما زيدا فعله عن غير أمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا انه كان معه فنسب ذلك إليه لان زيدا لم يكن معه من العصمة والتوفيق ما أعطاه الله لنبيه وكيف يجوز ذلك وهو عليه السلام قد منع زيدا أن يمس صنم وما مسه هو قبل نبوته فكيف يرضى أن يذبح للصنم هذا محال، الثاني أن يكون ذبح لله واتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون عنده، قلت: هذا حسن فإنما الأعمال بالنية أما زيد فاخذ بالظاهر وكان الباطن لله، وربما سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن الإفصاح خوف الشر فانا مع علمنا بكراهيته للأوثان نعلم أيضا انه ما كان قبل النبوة مجاهرا بذمها بين قريش ولا معلنا بمقتها قبل المبعث) [2] .

وحاول العيني إيجاد تفسير مقبول لهذه الروايات، فنقل بعض الآراء التي قيلت قبله كما أسلفنا، وحاول أن يعلق عليها بما يتناسب مع اعتقاده، فذكر رأي ابن بطال [3] الذي لم ينكر الرواية أو يدفع التناقض الذي تحمله، بل حاول تأويلها بما لا تحتمل، فقال إن السفرة لم تكن للنبي (ص) بل لبعض القرشيين، وهم الذين قدموها للرسول (ص) فأبى أن يأكل منها، ثم قدمها لزيد فقال له إنا لا نأكل مما تذبحون على أنصابكم [4] ، ولا يخفى أنَّ هذا تبريرًا غير منطقي؛ لأن كل الروايات التي قدمناها لم تذكر أن السفرة كانت لقريش، بل على العكس من ذلك تماما أكدت أنَّ النبي (ص) كان يذبح للنصب أو يأكل مما ذبح لها، وقد رد ابن حجر العسقلاني على ابن بطال بالقول: (وقال ابن بطال: كانت السفرة لقريش فقدموها للنبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل منها، فقدمها النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن عمرو بن نفيل فأبى أن يأكل منها، وقال مخاطبا لقريش الذين قدموها أولا: إنا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم، وما قاله محتمل لكن لا أدري من أين له الجزم بذلك، فأني لم أقف عليه في رواية أحد) [5] ، لكن العيني كان مقتنعا تماما برأي ابن بطال لذلك لم تعجبه آراء المعترضين على تفاصيل الروايات، فكانت ردوده مبنية على شرح ما جاء فيها ومحاولة جعلها مقبولة، فهو يرى أنَّ الرسول (ص) لم يأكل مما ذبح للأنصاب، و أنَّ ما جاء في هذه الروايات بحاجة إلى تفسير، لذلك ركز في شرحه على أنَّ الرسول (ص) وإن حمل هذا اللحم في سفرته فإنه لم يأكله، (قلت: جعله في سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدل على أنَّه يأكله، وكم شيء يوضع في سفرة المسافر مما لا يأكله هو بل من معه، وإنما لم ينه الرسول صلى الله عليه من معه عن أكله لأنه لم يوح إليه إذ ذاك ولم يؤمر بتبليغ شيء تحريما وتحليلا حينئذ، قلت: لو أطلع الكرماني على كلام القوم لما احتاج إلى السؤال والجواب وقد ذكرنا الآن عن ابن بطال ما يغني عن ذلك) [6] ، على الرغم من أنَّ هذا الرأي ليس صحيحًا لأنه يخالف ما جاء في الروايات التي ذكرت صراحة أنَّ الرسول (ص) كان يذبح للأنصاب أو انه كان يأكل مما ذبح لها، لكنه تطور في فهم هذه القضية لأنه يعني إن بعض شراح كتب الحديث شعروا بالحرج مما جاء في هذه الكتب، لذلك حاول بعضهم تفسير ما جاء فيها بطريقة تنزه الرسول (ص) عن هذه الإساءة، وعلى الرغم من هذا الفهم للإشكال الذي خلقته هذه الروايات، لم يستطيعوا ردها بصورة نهائية وقاطعة، ففضلوا مناقشة التفاصيل وإيجاد حل وسط لها، وذلك

(1) الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 131.

(2) الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 131.

(3) ابن بطال الأشعري علي بن خلف بن عبد الملك القرطبي قال: ابن بشكوال كان من أهل العلم والمعرفة والفهم وشرح صحيح البخاري في عدة مجلدات وتوفي سنة تسع وأربعين وأربع مائة، الصفدي، الوافي بالوفيات، 21/ 56.

(4) العيني، عمدة القاري، 16/ 286.

(5) ابن حجر، فتح الباري، 7/ 108.

(6) العيني، عمدة القاري، 16/ 286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت