الصفحة 7 من 8

من خلال تأكيد صحة الرواية مع محاولة إبعاد هذه الإساءة عن الرسول (ص) ، فنرى ابن حجر أتخذ جانبا آخر في تبريره لهذه الروايات، فلم يكذبها بل حاول إبعاد الأمر عن الرسول (ص) ، فنقل رأيًا مفاده أنَّ النبي (ص) لا يأكل مما يذبح للأصنام، ويأكل ما عدا ذلك، وان كانوا لا يذكرون اسم الله عليه، لان الشرع لم يكن نزل بعد، بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إلا بعد المبعث بمدة طويلة [1] ، ثم مال إلى أنَّ السفرة كانت للنبي (ص) وان الذي ذبح القربان للصنم هو خادمه زيد بن حارثة فيقول: (وعلى تقدير أن يكون زيد بن حارثة ذبح على الحجر فإنما يحتمل على انه إنما ذبح عليه لغير الأصنام) [2] .

وإذا تابعنا ما جاء في الروايات والآراء المتقدمة يمكن أن نستخلص جملة من النقاط:

أولا: ان زيدًا بن عمرو بن نفيل كان اعرف واعلم من النبي (ص) فنال مرتبة من التوحيد لم ينلها ... النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة.

ثانيا: ان الرسول (ص) لا يمتاز عن سائر العرب الجاهليين، لأنه كان يملك صنما ونصبا، وكان يأكل ... اللحم الذي ذبح على النصب، وأما زيد بن عمرو بن نفيل فقد كان موحدا ومؤمنا، وكان يرفض الأصنام وعبادتها.

ثالثا: أكثر الأشياء التي لا يمكن قبولها في هذا الموضوع هو أنَّ الرسول (ص) ترك عبادة الأصنام أو إمتنع عن أكل ما ذبح لها بناءا على نصائح قدمها إليه بحسب ما جاء في الروايات، (قال: فما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من يومه ذاك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث) [3] ، (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعتٌ زيدًا بن عمرو بن نفيل يعيب أكل ما ذبح لغير الله، فما ذقت شيئا ذبح على النصب حتى أكرمني الله بما أكرمني به من رسالته) [4] ، (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تمسحت بوثن منها بعد ذلك على معرفة بها ولا ذبحت لها حتى أكرمني الله عز وجل برسالته صلى الله عليه وسلم) [5] .

أما أهم النتائج التي توصل إليها البحث من خلال تتبع الروايات والآراء المتقدمة فيمكن إجماله بالنقاط الآتية:

1 ـ عندما نناقش الروايات التي ذكرت زيدًا بن عمرو بن نفيل ونحاول التشكيك في تفاصيلها، فإن هذا لا يعني أنّنا ننكر كونه من الموحدين في العهد الجاهلي، لأن مصادر المسلمين المختلفة اتفقت على أنه من الموحدين الباحثين عن الدين، لكن الأمر غير المقبول كما قدمنا هو تصوير الرواة لأفضلية زيد على الرسول (ص) ، إذ ينهى الرسول (ص) عن أكل ما ذبح للأنصاب والأصنام، وفي بعض الروايات نهاه عن عبادة الأصنام، أو إنه انتهى بعد أن سمع كره زيد لها، وهذه أمور مرفوضة إذ كيف يدرك ذلك ويعجز النبي (ص) عنه، فإذا كان قد أدرك قبح هذه الأمور بعقله، كيف لم يوفق النبي (ص) إلى ذلك مع أنَّه موافق الذي جاء به الإسلام.

2 ـ إن ما ورد في الأحاديث من المقايسة بين زيد بن عمرو بن نفيل وبين الرسول (ص) لم يكن إلا مبالغة وتقديسا لزيد، ولا نستبعد أن الرواة كانت لهم نوايا ومقاصد من خلال هذه الروايات، وقد نجحوا في دسها في كتب المسلمين المعتبرة، والعجيب ان أصحاب كتب الحديث والسنة النبوية قبلوها قبول المسلمات واعتبروها أحاديث صحيحة وقطعية لا يرقى إليها الشك، كذلك لم يحاول رواة التاريخ ردها أو مناقشتها على أقل تقدير، ثم جاء بعض الباحثين من مستشرقين وعرب فجعلوها أساسًا لفهم التطور العقائدي للرسول (ص) .

3 ـ نعتقد أنَّ هذه الروايات فيها جانب كبير من الحقيقة ولاسيما ما يتعلق بتدين زيد بن عمرو بن نفيل، لكن الرواة ضخموها وبالغوا فيها، وذلك لاعتبارات قبلية أو دينية، في خضم الصراع الفكري والمذهبي، فأراد كل طرف إضافة مكرمة إلى أسرته في مقابل الآخرين، وبما أنَّ كل المكارم في الإسلام تنتهي عند رسول الله (ص) قبل البعثة وبعدها، لذلك فمن أراد أن ينسب فضيلة لشخص ما ذكر رواية تبين مدى قرب هذا الشخص من الرسول (ص) ، والمؤسف في هذا الأمر أنَّ الكثير من الرواة أساؤوا للرسول (ص) عن قصد أو من دونه، ودليلنا على ذلك أنَّ أكثر الرواة الذين تحدثوا عن علاقة زيد بن عمرو بالرسول (ص) هم من أسرته كنوفل بن هشام بن سعيد وغيره.

4 ـ شعر بعض شراح كتب الحديث بالحرج عندما وجدوا هذه الأحاديث، لذلك أرادوا أن يجدوا مخرجا ملائما لا يمس الرواة، فحاول بعضهم أن يجعل القرابين المقدمة للأصنام غير محرمة قبل الإسلام لذلك فلا مانع من أن يتناول الرسول (ص) لحومها، بينما أدرك بعضهم الآخر عدم صواب هذا الرأي، لان الأمر لا يتعلق بالحلال والحرام بل بكيفية إقبال الرسول (ص) على هذا الأمر وامتناع غيره عنه، ونتيجة لذلك أرادوا دفع هذا الأمر عن الرسول (ص) ، فقال بعضهم أنَّ قريشًا هي صاحبة السفرة التي تحوي اللحم المقدم كقربان للأصنام، وقال آخرون أنَّ زيدًا بن حارثة هو الذي أقدم على النحر للأصنام من دون علم الرسول (ص) ، وغير ذلك من التبريرات غير المقنعة، لكن لا أحد منهم حاول رد هذه الروايات مع أنَّها مسيئة للنبي (ص) ولا يقبلها العقل.

(1) فتح الباري، 7/ 112.

(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ج 7 ص 112.

(3) ابن عبد البر، الاستيعاب، 2/ 616 ـ 617.

(4) المقريزي، إمتاع الأسماع، 2/ 351، المتقي الهندي، كنز العمال، 12/ 79، الحلبي، السيرة الحلبية، 1/ 201.

(5) ابن إسحاق، السير والمغازي، ص118، أنظر أيضا ابن عساكر، تاريخ دمشق، ص507.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت