لاصنامهم فاما ذبائحهم لمأكلهم فلم نجد في الحديث انه كان يتنزه عنها، وقد كان بين اظهرهم مقيما ولم يذكر انه كان يتميز عنهم الا في اكل الميتة لان قريشا كانوا يتنزهون أيضا في الجاهلية عن اكل الميتة مع انه اباح الله لنا طعام اهل الكتاب والنصارى يذبحون ويشركون في ذلك الله تعالى) [1] ، على الرغم من أنَّ هذه الآراء فيها الكثير من الجوانب الصحيحة، ولاسيما ما يخص ظن زيد في أنَّ اللحم الذي قدم له قد يكون مذبوحًا للأصنام، لكن لا يخفى أن الرأيين لم يناقشا القضية الرئيسية التي شكلت اساءة للنبي (ص) وهي اعتقاده بالأنصاب والنحر والتقرب لها، إذ ركزا على مناقشة الرواية الأولى التي أوردها البخاري وغيره عن موسى بن عقبة، وتركا الرواية الثانية التي نقلها البخاري عن نفس الراوي والتي تذكر أنَّ الرسول (ص) هو الذي قدم السفرة لزيد لكنه رفض أن يأكل منها، كذلك تركا بقية الروايات التي أوردتها المصادر الأخرى، والتي أشارت مباشرة وبصراحة إلى أنَّ الرسول كان ينحر للأنصاب (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مردفي إلى نصب من الأنصاب فذبحنا له شاة، ثم صنعناها له حتى إذا نضجت جعلناها في سفرتنا) [2] ، وهذه الروايات وردت في كتب المسلمين التي تعد عند بعضهم كتبًا معتبرة، وإنهما لم يتطرقا في تبريرهما إلى تلك الروايات التي ذكرت امتناع الرسول (ص) عن أكل ما ذبح على النصب بعد أن رفض زيد بن عمرو أن يأكل معه من طعامه، (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة هو وزيد بن حارثة فمر زيد بن عمرو بن نفيل فدعوه إلى سفرة لهما، فقال: يا بن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب قال: قلت: فما رؤى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أكل شيئا مما ذبح على النصب) [3] ، (ومر بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو سفيان بن الحارث يأكلان من سفرة لهما فدعواه إلى الغداء فقال يا بن أخي إني لا آكل ما ذبح على النصب قال فما رؤى عن النبي صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث صلى الله عليه وسلم) [4] ، وهذان النصان وردا أيضا في كتب المسلمين التي تعد عند بعضهم كتبًا معتبرة، وقد ورد فيهما بصورة صريحة أنَّ الرسول (ص) كان يأكل مما ذبح على الأنصاب، بدليل ما ورد فيهما من أنَّه ترك هذا الأمر بعد أن تعلمه من زيد.
وحتى تبرير السهيلي لما جاء في رواية موسى بن عقبة من أنَّ الرسول (ص) لم يأكل من الطعام الذي في السفرة، فهذا أمر غير مقبول لأنه كان يحمل اللحم في سفرته ـ حسب ما تذكر الرواية الثانية عن عقبة ـ أي إنه ينوي الأكل منها، كذلك فإن قوله بأنَّ زيدًا امتنع عن الأكل برأي رآه وليس لهذا الأمر وجود في شرع إبراهيم فهو أمر ظني افتراضي، وهو لا يمكنه الجزم بأن شرع إبراهيم ليس فيه تحريم ما ذبح لغير الله، لأنه لا يعرف عن هذا الأمر كثيرا حسب ما أورده في رأيه المتقدم، ولو افترضنا جدلا إنه لم يرد تحريمه في شرع إبراهيم فهو مستقبح عقلا ولا يليق برسول الله (ص) وما أعطاه الله من الكرامة والمنزلة الرفيعة التي أستحق من خلالها أن يكون خاتم الأنبياء وسيدهم، فمثلا شرب الخمر جاء تحريمه بعد نزول آية تحريم الخمر، فهل من المعقول أن يقربها الرسول (ص) ، كذلك فإن كل الروايات التي تحدثت عن حياته الشريفة (ص) ذكرت أنَّه كان بعيدا كل البعد عن الرذائل التي كانت منتشرة في المجتمع الجاهلي، حتى انه لم يكن يقف مع قريش في مزدلفة أيام الحج، بل كان يقف مع الناس بعرفة [5] ، لأنه يرى أنَّ قريشًا كانت مبتدعة في هذا الأمر.
وإذا افترض السهيلي في تبريره أنَّ زيدًا ترك أكل ما ذبح على النصب بناءا على رأي رآه، هذا يعني أنَّ عقله أرشده إلى قبح هذا العمل، لأنه حسب ما تذكر الرواية يرى (أنَّ الشاة خلقها الله وانزل لها من السماء الماء وانبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله) ، لذلك فمن غير المعقول أن يمتنع زيد عن هذا العمل القبيح ويباشره الرسول (ص) ، فيكون أعرف وأورع وأعقل من المختار المصطفى، وهو ينتظر في هذه المرحلة من حياته النبوة وتلقي الوحي حسب ما أخبرتنا به الروايات التي تحدثت عن نزول الوحي، إذن كيف نتصور أنَّ النبي (ص) لم ينل ما ناله زيد وأمثاله من الموحدين من الوصول إلى معرفة التوحيد، أو الامتناع عن أكل ما ذبح على الأنصاب، أو على أقل تقدير معرفة أن هذا العمل قبيح، وأكثر شيء غرابة في هذا الباب هو أنَّ الرسول (ص) يمتنع عن الأكل حتى بعثه الله بالنبوة، بعد أن نهاه زيد عن هذا الأمر.
وقد أجاد الذهبي في وصف حال النبي (ص) قبل البعثة من اجتناب الرذائل التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي (وما زال المصطفى محفوظًا محروسًا قبل الوحي، .... والذي لا ريب فيه انه كان معصوما قبل الوحي وبعده وقبل التشريع وبعده من الزنا قطعا ومن الخيانة والغدر والكذب والسكر والسجود لوثن والإستقسام بالأزلام ومن الرذائل والسفه وبذاء اللسان وكشف العورة فلم يكن يطوف بالبيت عريانا ولا كان يقف يوم عرفة مع قومه بمزدلفة بل كان يقف بعرفة وبكل حال لو بدا منه شيء من ذلك لما كان عليه تبعة لأنه كان لا يعرف ولكن رتبة الكمال تأبى وقوع ذلك منه صلى الله عليه وسلم تسليما) [6] ، لكن على الرغم من ذلك فان الذهبي عندما يأتي ويناقش الروايات المتعلقة بهذا الباب فأنه
(1) العيني، عمدة القاري، 16/ 286.
(2) النسائي، السنن الكبرى، 5/ 54، وأوردتها مصادر أخرى بنفس السند والمعنى مع اختلاف بسيط بالألفاظ ينظر الطبراني، المعجم الكبير، 5/ 86، الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، 3/ 216، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 134.
(3) ابن حنبل، مسند احمد، 1/ ص189، وذكرتها مصادر أخرى بنفس السند مع اختلاف بسيط في المتن ينظر ابن إسحاق، السير والمغازي، ص118، الطبراني، المعجم الكبير، 1/ 152، ابن عساكر، تاريخ دمشق، 19/ 507، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 129.
(4) ابن عبد البر، الاستيعاب، 2/ 616 ـ 617.
(5) البخاري، صحيح البخاري، 2/ 175.
(6) . الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 131.