منها ثم قال زيد إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه وان زيدًا بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الشاة خلقها الله وانزل لها من السماء الماء وانبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم الله إنكارا لذلك وإعظاما له [1] .
وأورد البخاري وابن عبد البر هذه الرواية عن موسى بن عقبة باختلاف في الألفاظ وفي المعنى، وسنأتي إلى بيان هذا الأمر عند مناقشة الروايات غير المباشرة (أخبرني سالم انه سمع عبد الله يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح وذاك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه) [2] .
3 ـ رواية نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (حدثنا يزيد ثنا المسعودي عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة هو وزيد بن حارثة فمر زيد بن عمرو بن نفيل فدعوه إلى سفرة لهما، فقال: يا بن أخي إني لا آكل مما ذبح على النصب قال: قلت: فما رؤي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك أكل شيئا مما ذبح على النصب) [3] .
4 ـ أورد ابن عبد البر رواية عن نوفل بن هشام بن سعيد عن ابيه عن جدة (قال ومر بالنبي صلى الله عليه وسلم ـ يعني زيد بن عمرو بن نفيل ـ ومعه أبو سفيان بن الحارث يأكلان من سفرة لهما فدعواه إلى الغداء فقال يا بن أخي إني لا آكل ما ذبح على النصب قال فما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث صلى الله عليه وسلم) [4] .
5 ـ أوردت مصادر أخرى رواية عن هشام بن عروة (وخرج من حديث عبد الله بن محمد بن يحيى بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب أكل ما ذبح لغير الله، فما ذقت شيئا ذبح على النصب حتى أكرمني الله بما أكرمني به من رسالته) [5] .
هذا الصنف من الروايات الذي أشار إلى أن الرسول (ص) كان يذبح للأنصاب، أو إنه كان يأكل مما ذبح لها، وترك هذه الأمور بعد لقاءه بزيد بن عمرو بن نفيل، لا يختلف من حيث المضمون عن الروايات التي أشارت صراحة إلى انه كان يعتقد بعقيدة الشرك، والفرق بينها إن هذه الأخيرة اكتفت بالايحاء الى هذا الأمر ولم تشر اليه بصراحة. والعجيب في كل هذا ان مصادر المسلمين المعتمدة نقلت هذه الروايات من دون أنْ تناقشها او تحاول تحليلها، وكأنها متفقة مع الرواة الذين نقلوا هذه الروايات التي نسبت الشرك للرسول (ص) ، وحتى من حاول مناقشة هذه الروايات لم يرفضها بصورة مطلقة بل حاول تبريرها او وضع شروح لها لا تتناسب مع المعنى الصريح الذي أشارت إليه، وقد يعود السبب في ذلك ان السند الذي نقلت عنه الروايات كان سندا معتبرا عند هؤلاء والطعن في هذه الروايات يعني عدم دقة رواتها وهم من الرواة المعتبرين في كتب الحديث الإسلامية، الأمر الذي يقود الى التدقيق في الكثير من الروايات الأخرى، لذلك فضل الكثير من الكتاب المسلمين شرح الروايات وتبريرها بدلا من رفضها، والمؤسف في هذا أنَّ هذه الروايات أساءت لشخص النبي (ص) بعد أنْ نسبت له الشرك أو على أقل تقدير أشركته مع غيره في الذبح للأنصاب، ومن المؤكد أنَّ مكانة النبي (ص) اهم من أي راوٍ مهما كانت منزلته، لذلك فالأولى ان يدافع الكتاب المسلمون عن النبي (ص) ويرفضوا أي اساءة له، بدلا من الدفاع عن أي راوٍ نقل رواية موضوعة لا يؤيدها العقل والمنطق لأسباب عاطفية او تحزب لأسرة او مذهب او جماعة، وهذا الدفاع عن الرسول (ص) ليس دفاعا عاطفيا فقط، بل ان كل الوقائع تبين أنَّ الرسول (ص) كان القمة في التكامل الأخلاقي والعقلي، وهذا ما يخبرنا به الله تعالى في كتابه فيقول: (وانك لعلى خلق عظيم) [6] .
ومن نماذج التبريرات التي حاولت الدفاع عن الروايات، ما نقله العيني في كتابه عمدة القاري من آراء للسهيلي [7] والخطابي [8] وهما يدافعان عما جاء في رواية موسى بن عقبة، لكن محاولة العيني هذه ركزت على تفاصيل هذه الرواية فقط دون الخوض في الروايات الأخرى التي تناولت هذا الموضوع: (وقال السهيلي: إن قلت كيف وفق زيد ترك اكل ذلك وسيدنا اولى بالفضيلة في الجاهلية لما ثبت من عصمته، قلت: عنه جوابان احدهما انه ليس في الحديث انه صلى الله عليه وسلم اكل منها وانما فيه ان زيدا لما قدمت له السفرة أبى، وثانيهما ان زيدا إنما فعل ذلك برأي رآه لا بشرع متقدم، وانما تقدم شرع ابراهيم بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذبح لغير الله، وإنما نزل تحريم ذلك في الإسلام، وقال الخطابي: امتناع زيد من اكل ما في السفرة انما هو من اجل خوفه ان يكون اللحم الذي فيهما مما ذبح على الأنصاب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ايضا لا ياكل من ذبائحهم التي كانوا يذبحونها
(1) البخاري، صحيح البخاري، 4/ 233، وذكرتها مصادر أخرى عن موسى بن عقبة باختلاف في الألفاظ لكن بنفس المعنى، انظر ابن سعد، الطبقات الكبرى، 3/ 380، النسائي، السنن الكبرى، 5/ 55، ابن حبان، صحيح ابن حبان، 12/ 47، الطبراني، المعجم الكبير،12/ 230، البيهقي، السنن الكبرى، 9/ 250، الذهبي، تاريخ الإسلام، 1/ 85.
(2) البخاري، صحيح البخاري، 6/ 225، ابن عبد البر، الاستيعاب، 2/ 617.
(3) ابن حنبل، مسند احمد، 1/ 189، وذكرتها مصادر أخرى بنفس السند مع اختلاف بسيط في المتن ينظر ابن إسحاق، السير والمغازي، ص118، الطبراني، المعجم الكبير، 1/ 152، ابن عساكر، تاريخ دمشق، 19/ 507، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 129.
(4) ابن عبد البر، الاستيعاب، 2/ 616 ـ 617.
(5) المقريزي، إمتاع الأسماع، 2/ 351، المتقي الهندي، كنز العمال، 12/ 79، الحلبي، السيرة الحلبية، 1/ 201.
(6) سورة القلم الآية 4.
(7) ابو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي ولد في الأندلس سنة 508هـ وكان من العلماء المعروفين هناك له عدة مصنفات أهمها الروض الأنف الذي يشرح فيه السيرة النبوية لابن هشام توفي سنة 581هـ ينظر الذهبي، تذكرة الحفاظ، 4/ 1349.
(8) ابو سليمان حمد بن محمد بن ابراهيم البستي صاحب تصانيف عديدة في الحديث والفقه درس في البصرة وبغداد وغيرها وتوفي سنة 388هـ، ينظر الذهبي، تذكرة الحفاظ، 3/ 1019 ..