الصفحة 3 من 8

المعقول أن يعتمد بهذه الكيفية التي بينتها الرواية على شخص مجهول تقول الروايات انه ترك عقيدة الشرك، وتكون آراء هذا الشخص أساسا لدعوته الجديدة، ولو كان الأمر كما أرادت الرواية تبيانه لكنا وجدنا في روايات السيرة أنَّ المشركين الذين خاضوا حربا عنيفة مع الدعوة الجديدة ومعتنقيها قد اعترضوا على النبي (ص) بان أساس دعوته مبني على رأي زيد بن عمرو بن نفيل الذي ترك عبادة الأصنام، ولكان زيد المذكور في الرواية احق بالنبوة، لذا لسنا ملزمين بتصديق رواية مفردة مضطربة منقطعة السند في مقابل سيرة كاملة رواها عدد كبير من الرواة وأسندوها إلى أشخاص عاصروا الدعوة الإسلامية،

أما المنهج الذي أختاره بعض الباحثين في اعتماد الموضوعية كما يدعون، فهو غريب أيضا؛ لأن الموضوعية ليس معناها تتبع الروايات الشاذة، لأن الأصل هو الشائع والمتواتر وليس الشاذ الغريب، فعندما يقول الملاح إنها تقودنا لمعرفة تطور الرسول (ص) العقائدي، فهذا يعني أنه ابتدأ مشركا ثم تحول إلى موحد، بفضل مجموعة من المتغيرات، منها لقاؤه بأشخاص موحدين، وآخرين من أتباع الديانات الموجودة في تلك الحقبة كالنصرانية، وإذا ربطنا هذا الرأي مع الرأي الذي طرحه المستشرق جيوم، والذي يتحدث فيه عن أن هذه الرواية هي الوحيدة الحقيقية في كتب السيرة، نجد أنَّ المنهج الذي قامت عليه هذه الآراء هو واحد، ملخصه أنَّ محمدًا (ص) ليس نبيًا، بل شخص ذكي نشأ في مجتمع مدني، قاده الحظ إلى اللقاء بمجموعة من النصارى والموحدين، فاستقى منهم الدين، واستطاع بعدها أن يصنع دعوة مستقلة، وقد صرح جيوم بذلك.

إن قضية المستشرقين تحتاج إلى دراسة موسعة، فهم يبنون كل بحوثهم على الشك، ويستندون في تقييم الأشياء الى المادي دون الغيبي، فلا يعتقدون بالروحي كثيرا، لذا تجدهم يشككون بكل شيء سماوي، ويحاولون تتبع كل رواية شاذة مفردة لتعزيز آرائهم، لكن المفارقة إن الكثير منهم يعتقد أنَّ عيسى (ع) ابن الله، ولا يجادل في هذه المسألة، على الرغم من انها غريبة وغير واقعية، وهذا مرتبط بصراع ديني طويل لم يستطع الكثير منهم التخلص من عقده، ولو أتيت لمناقشة آرائهم لا تجد فيها شيئًا منطقيًا، فهم يسوقون لقصة وهمية خلقها خيالهم، ثم يحاولون تمريرها استنادا إلى رواية شاذة، كذلك الحال مع بعض باحثينا الذين قلدوا هؤلاء، ظنًا منهم أنهم عندما يقدموا هكذا آراء يكونوا موضوعيين، مرتكزين على أنَّ محمدًا (ص) بشر مثل الباقين، توفرت له فرص مكنته من تحقيق ما يصبو إليه، وهم يعتقدون بعظمته وإمكانياته، وهذا التقليد مع الأسف فرض علينا، بعد أن أصبحنا أمة مغلوبة، فكل شيء يأتي من الغرب هو جميل وعلمي، وكل شيء يتعلق بنا هو متخلف وبالي، لان ذلك مرتبط بالحضارة الغربية الراقية، وهي جزء من عقدة الغرب التي نعاني منها دائما.

ولا نريد أن ندافع عن النبي (ص) ، فهو قائم بنفسه ولا يحتاج منا المبالغة في مدحه، ويكفيه أنه صنع شيء من لا شيء، فبعد أن كان العرب أفراد وقبائل متفرقة لا يربطها رابط، وحدهم وجعل منهم أمة سيطرت على العالم لأكثر من ستة قرون، ودخلت معهم أمم أخرى وتوحدت معهم، وذابت في كلمتين اثنتين لا اله إلا الله محمد رسول الله، وهي قبلا لم يكن بينها أية رابطة، فأصبح العرب وغيرهم من الأمم أخوانا بإخوة الدين العظيم، وعليه يكون من وحد هذه الأمم وربطها برباط الدين، أكبر من أن يبتدئ حياته بعبادة أحجار، وأوثان أنف منها ذوو العقول البسيطة، ثم يتركها بناءا على نصيحة شخص غير معروف.

ويمكن أن نسحب ما قلناه على رواية هشام بن عروة في أن الرسول (ص) والسيدة خديجة كان عندهما صنم يعبدانه قبل أن يناما، ورواية ابن إسحاق في أنَّ الرسول (ص) أهدى شاة للعزى أحدى آلهة قريش.

ثانيًا: الروايات غير المباشرة:

1ـ أوردت عدد من المصادر رواية أسندتها إلى أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة انّه قال: ... (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مردفي الى نصب من الأنصاب فذبحنا له ـ للنصب ـ شاة، ثم صنعناها له حتى إذا نضجت جعلناها في سفرتنا، ثم اقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير وهو مردفي في يوم حار من أيام مكة حتى إذا كنا بأعلى الوادي لقيه زيد بن عمرو بن نفيل فحيا أحدهما الآخر بتحية الجاهلية، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم البعير الذي تحته، ثم قدمنا إليه السفرة التي كان فيها الشواء، فقال ما هذا؟ قلنا هذه الشاة ذبحناها لنصب كذا وكذا، فقال ـ زيد بن عمرو ـ إني لا آكل شيئا ذبح لغير الله ثم تفرقنا، ومات زيد قبل المبعث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(يأتي امة وحده) [1]

2 ـ رواية موسى بن عقبة بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر: حدثني محمد بن أبي بكر حدثنا فضيل بن سليمان حدثنا موسى حدثنا سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة فأبى أنْ يأكل

(1) النسائي، السنن الكبرى، 5/ 54، وأوردتها مصادر أخرى بنفس السند والمعنى مع اختلاف بسيط بالألفاظ ينظر ابن ابي عاصم، الآحاد والمثاني، 1/ 199، الطبراني، المعجم الكبير، 5/ 86، الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، 3/ 216، إسماعيل الأصبهاني، دلائل النبوة، 2/ 686 ـ 687، الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1/ 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت